البقاء للأخضر التحوّلات الاقتصادية في عالم واع بأزمة المناخ
Regiones
المُلخّص: إن مسارات التنمية الاقتصادية آخذة في التغيّر والتبدّل؛ فالاستدامة البيئية لم تَعد خيارًا من بين عدّة خيارات للتنمية نأخذ بعضها ونترك بعضها، إنما باتت ضرورة، من أجل الاحتفاظ بالقدرة على المنافسة في الاقتصاد العالمي. كما هو الحال في الطبيعة – حيث البقاء للقادر على التكيّف والتأقلم – يُظهر هذا الكتاب كيف تتكيّف الأمم مع الديناميات الجديدة للتحوّل الهيكلي، وكيف تستفيد من هذه التحوّلات، تحت تأثير تغيّر المناخ واستجابةً له. أولًا، يُحلل الكتاب الجغرافيا الصناعية اللامتكافئة على مستوى العالم لسياسات وممارسات خفض الكربون، والحالة الراهنة لسياسات التمويل المناخي غير المواتية، وصعود الحمائية الخضراء. ويُظهر الكتاب أن الاقتصاد منخفض الكربون ظاهرة قد تؤدي إلى تزايد التفاوتات الاقتصادية بين الأمم إذا لم تتحرك نحو التحوّل الأخضر. ثم إن الكتاب يتناول بالعرض والتحليل السياسات الصناعية الخضراء والتفاوت في نجاح تجارب مختلف الدول في هذا المسار، ويشرح كيف لم تفت الفرصة بعد لانضمام مُختلف الحكومات إلى هذا السباق الصناعي الأخضر. وأخيرًا، يفحص الكتاب ويحلل كيفية تبني السياسات الصناعية الخضراء من مختلف نقاط الانطلاق، وعلى تنوّع أحجام الأسواق المختلفة، وفي بُنى إنتاجية متنوعة، وديناميات عديدة للعلاقات بين الدول والشركات، وعلى اختلاف الهياكل المؤسسية والسياقات البيئية.
Descargar PDF
Autores
تمهيد للطبعة العربية
عندما بدأت العمل على هذا الكتاب، كان يحركني سؤال مركزي، هو سؤال بسيط ومعقد في الوقت نفسه، ألا وهو: كيف يمكن للاقتصادات المعتمدة بقوة على استخراج النفط والغاز – والكثير منها تتركز في المنطقة العربية – أن تحوّل نفسها إلى محركات نشطة للاستدامة والنمو المراعي للكافّة في عصر من مقوماته الأساسية الوعي البيئي وتغيّر المناخ؟
ليس هذا بالسؤال المجرد المنفصل عن الواقع، إنما هو وُلد من رحم تجربة المولد والمعاش في الجزائر، وهو بلد فيه الفرص والتحديات التي تواجه الاقتصادات المعتمدة على الموارد، تجربة العيش في منطقة لطالما شكل النفط والغاز فيها الاقتصاد السياسي للدول وحددا موقعنا من العالم. ولقد انبثق هذا السؤال أيضًا عن سنوات من البحث الأكاديمي والانشغال بالبحوث المرتبطة بصوغ السياسات في مختلف البلدان، لا سيما في أمريكا اللاتينية وشرق آسيا، مع محاولة ألا أفقد – في الوقت نفسه – الصلة بالأسئلة الهامّة لوطني.
ليس هذا بكتاب عن التوجهات العالمية أو التقنيات الجديدة أو المُحدِدات البيئية. إنما هو كتاب عنّا نحن، شعوب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعن الحاجة المُلحّة إلى رسم خارطة لمصير اقتصادي جديد قادر على الصمود في وجه الأزمات والتحديات. إن الحجّة الأساسية في هذا الكتاب هي أن الصمود الاقتصادي له مسار ضيق آخذ بشكل مضطرد في الانكماش أكثر وأكثر، وهو مسار يمر بالاستدامة البيئية، ولا يتصادم معها. في القرن الحادي والعشرين، أصبحت الاقتصادات القادرة على البقاء والازدهار أيضًا هي الاقتصادات التي لا تقتصر قدراتها على التكيف، بل تلك التي تمسك أيضًا بزمام المبادرة على مسار الانتقال الأخضر. بالنسبة للعالم العربي، هو سؤال بقاء، سواء اقتصاديًا أو بيئيًا أو من زاوية الجيو-سياسة. إذن فاللعب بالكلمات في العنوان على "البقاء للأصلح" هو بصراحة فِعلٌ مقصود ومُناسب لكتاب يتحرّى هذه الرسالة وهذه المقولات.
يرى الكثير من الناس أن أجندة الاستدامة – كما هي مؤطرة ومُصممة حاليًا – هي أجندة مفروضة من بلدان الغرب على سائر العالم، وأن هدفها هو إعادة إنتاج التبعيات التاريخية والصعود والنمو ثم ركل السلّم حتى لا ينمو أحد غير الغرب. والحقّ أن هذا التصور صحيح في أغلب الأحوال، لكن الأفكار التي يعرضها هذا الكتاب ليست منحازة إلى هكذا استدامة إقصائية. إنما تنحاز أفكار الكتاب إلى تراث غني من البحث العلمي المناسب للاستعانة به في التفكير حول الاستدامة في منطقتنا. هناك العديد من علماء العصر الذهبي للحضارة الإسلامية حذرونا بالفعل من اختلال العدالة في ما يرتبط بالاستهلاك. ففي مقدمته، حذّر العالم العظيم ابن خلدون من أن الاستغلال غير المستدام للموارد يقوّض الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي ويُهلك الحضارة. إذن فغرس الاستدامة في نظمنا الإنتاجية ليس بالخصلة المستوردة من الغرب؛ إنما الاستدامة جزء لا يتجزأ من تراثنا الفكري، وهي في الوقت نفسه مهاد متين لسياسة صناعية تثمّن بناء القدرات والاعتدال والرفاه طويل الأجل، على الإنتاج الاستخراجي الريعي قصير الأجل.
إذن، لأي مدى عرّضت البلدان العربية تنوع مساراتها التنموية ورفاهها المستقبلي للخطر من أجل القبض على نمط استهلاكي قصير الأجل وغير استراتيجي مرتبط بنظم الإنتاج كثيفة الكربون؟ ما الفرص القائمة أمام البلدان الغنية بالوقود الأحفوري في منطقتنا لكي تكتسب انطلاقة قوية في التحول الاقتصادي الأخضر بدلًا من أن تكون الطرف الخاسر في عملية خفض الكربون العالمية؟ ما السياسات المالية والصناعية والطاقية التي ثبت نجاحها على مستوى العالم وما الإصلاحات المؤسسية وآليات التخطيط والإدارة القادرة على تحقيق التصميم والتنفيذ الفعّالين للسياسة الصناعية الخضراء؟ يتصدى هذا الكتاب لبعض هذه الأسئلة، وفي هذا التمهيد المكتوب خصيصًا للطبعة العربية، أسعى إلى وضع هذه النقاشات عالمية المستوى في سياق تحديات وفرص ومسؤوليات المنطقة العربية، بما يحفّ بها من خصوصيات.
لماذا يقف العالم العربي على مفترق طُرق حرِج؟
يمرّ العالم بأكبر تحوّل صناعي حصل منذ الثورة الصناعية، وهو في هذه العملية مدفوع بثلاثة تحديات، هي تخفيف آثار تغيّر المناخ، والتكيف مع عواقبه وتبعاته، والمنافسة في الصناعات الخضراء وتطوير التكنولوجيا منخفضة الكربون الناشئة. ورغم تكريس الكثير من الاهتمام للذكاء الاصطناعي وتطور النظم السيبرانية-الروبوتية، فإن السباق على الذكاء الاصطناعي هو في المقام الأول وقبل كل شيء سباق على الطاقة النظيفة، نظرًا لارتفاع كثافة استهلاك الطاقة في تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي. وفي مواجهة هذه التغيّرات العالمية، فإن تكرار المسار القديم كثيف الكربون نحو التنمية والتصنيع بالاستعانة بالوقود الأحفوري، لم يعد بالخيار الواقعي بالمرة. فالنظم البيئية والاقتصادية التي مكّنت من الصعود السريع لشرق آسيا وتحقيق "المعجزة" الآسيوية آخذة في الانهيار في ظل الظروف الراهنة، ولقد أصبحت عقيمة تمامًا مع صعود الصين كقوة صناعية وفي ظل القيود المفروضة عالميًا على الكربون. ما يهمّ الآن هو صوغ استراتيجية صناعية خضراء ترسم مسارًا جديدًا للتنمية الاقتصادية.
تُعدّ هذه الحسابات والتوجهات لغزًا يواجه دول المنطقة، سواء من حيث الفرص المتاحة أو الفخاخ التي تترصدها. على جانب، تعتمد الكثير من اقتصاداتنا بالمنطقة على الوقود الأحفوري أو الموارد الاستخراجية، وهي القطاعات التي تتحداها بشكل مباشر سياسات خفض الكربون الراهنة. وعلى الجانب الآخر، فنحن لدينا مزيج استثنائي من الأصول القادرة على وضعنا في القلب من الاقتصاد العالمي الأخضر: بعض أفضل موارد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط الأسواق الكبرى ويتوسطها، واحتياطات كبيرة من معادن نادرة مطلوبة في تصنيع التكنولوجيات الخضراء. لكن مجرد حيازة هذه الموارد لا يكفل التحوّل الاقتصادي؛ فقد أظهر التاريخ لنا أنه في غياب الاستراتيجيات الواعية، يمكن لوفرة الموارد أن تعمّق من أنماط التبعية القائمة وتزيد من التقلبات الاقتصادية والاعتماد على النمط الريعي. إن التحدّي الذي يواجه المنطقة العربية هو تحويل هذه المزايا النسبية إلى مزايا تنافسية في سلاسل القيمة الخضراء، وضمان أن يعزز التحوّل العالمي اقتصاداتنا، لا أن يهمّشها.
تواجه الكثير من بلداننا نقاط ضعف هيكلية، من ارتفاع معدلات بطالة الشباب والاعتماد المفرط على الصادرات السلعية والانكشاف لمخاطر تغيّر المناخ مثل ندرة المياه والتصحّر ودرجات الحرارة العالية. إذا انتقل الاقتصاد العالمي بعيدًا عن الوقود الأحفوري بوتيرة أسرع من وتيرة تكيّفنا مع هذا التغيير، فنحن نخاطر بالتعرض لصدمة مزدوجة، من خسارة أرباح التصدير، وتعميق التحديات الاجتماعية-الاقتصادية. إن تكاليف الخمول الآن ظاهرة بالفعل في انعدام الأمن المائي والضغوط التي تتعرض لها الأنشطة الإنتاجية الزراعية. وفي ما يتعلق بشباب المنطقة الذين ترتفع معدلات تعليمهم بشكل مضطرد، من الواضح تمامًا أنه في غياب العمل على تهيئة الوظائف الخضراء عالية الجودة والمردود، قد تقيّد الضغوط الديمغرافية فرص الاستقرار، وإذا تمكنّا من تهيئة الوظائف الخضراء، يصبح بإمكاننا الاستفادة من واحدة من أنشط قوى العمل على مستوى العالم.
على هذه الخلفية إذن يفحص الكتاب كيف يمكن للسياسات الصناعية الخضراء أن تستفيد من "نافذة الفرصة الخضراء"، التي تسمح للبلدان بالانتقال إلى صناعات جديدة في لحظة مبكرة، بينما الأسواق ما زالت في طور التشكّل والتكوّن، وما أشبهها بلحظة الأيام الأولى لتصنيع الخلايا الشمسية وتكنولوجيا طاقة الرياح. لكن نوافذ الفرص هذه لا تبقى مفتوحة للأبد، فهي تتطلب التحرك المنسق السريع.
مسارات ملموسة نحو التنويع الاقتصادي في المنطقة العربية
بينما النظريات والنماذج النظرية مفيدة وقيّمة فلابد للاستفادة منها أن نكيّفها بحيث تناسب السياقات المحلية المختلفة. يبدأ كل بلد من نقطة انطلاق مختلفة عن البلدان الأخرى، وفي كل بلد مزيج فريد من نوعه من الموارد والقدرات المؤسسية والقيود السياسية. لن تكون السياسة الصناعية الخضراء في المنطقة العربية مماثلة لسياسة الدنمارك أو كوريا الجنوبية الخضراء، إنما يجب أن تتعاطى هكذا سياسة في طور صوغها مع العقود الاجتماعية القائمة في منطقتنا، ومع الإرث الريعي القائم والقدرات التنموية الراهنة للدول. بصفتي مراقب ومطلع على الأوضاع – بما يتيح لي المقارنة – ومع اطلاعي على تجارب من أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا وأوروبا وكيف تعاملت مع تحولاتها الصناعية، أقول إن المنطقة العربية قادرة على بناء مسارها الفريد. يضع هذا الكتاب أمام القراء مسارات عدّة لدمج الأهداف المناخية بالأهداف التنموية، لكن ثمة ثلاثة مسارات استراتيجية أراها مهمة كل الأهمية لمنطقتنا.
- الاستفادة من الطاقة المتجددة في التصنيع وتنويع الصادرات
خلافًا للسردية السائدة والاتجاهات السياساتية المهيمنة في العديد من الدول العربية، فإن الفرصة الحقيقية لا تكمن في تصدير الطاقة المتجددة، سواء في شكل الهيدروجين الأخضر أو الكهرباء، إلى أوروبا؛ إذ أن ذلك لا يعدو أن يكون تكرارًا للدور التاريخي للمنطقة كمورّد أولي للطاقة الخام، مع ترك القيمة المضافة تُستَخلص في أماكن أخرى. الهدف ينبغي أن يكون تحقيق التصنيع استنادًا إلى الطاقة المتجددة، واستخدامها كمنصة للتعلّم التكنولوجي، والتصنيع المحلي، ونشوء صناعات خضراء جديدة. وقد بدأت بالفعل عدة دول عربية تسلك هذا الاتجاه من خلال الاستثمار في تجميع الألواح الشمسية، ومكونات توربينات الرياح، ومشروعات الأمونيا الخضراء التجريبية، غير أنّ معظم هذه المبادرات لا يزال في مراحله الأولى وتحت قيادة أجنبية. تتمثّل الخطوة التالية في تطوير القدرات المحلية على امتداد سلاسل القيمة، ودمج الشركات الوطنية ضمن شبكات الإنتاج – ليس فقط في مرحلة تنفيذ المشروعات – بهدف توليد قيمة إنتاجية حقيقية، لا مجرّد إنتاج الطاقة فحسب. فالتحوّل من "تصدير الواطات" إلى "تصدير المعرفة والمعدات" هو ما جعل توطين الطاقة المتجددة يتّخذ صورة التحوّل البنيوي في بلدان مثل الصين والدنمارك. وبالنسبة للمنطقة العربية، يعني ذلك توجيه الموارد المتجددة نحو هياكل إنتاج متنوّعة، بدلًا من الوقوع في تبعيات ريعية جديدة.
- التكامل الإقليمي من أجل ترقية الحجم وحيازة القدرة التنافسية
لطالما عطّل تشظي المنطقة المُزمن من الانطلاقات الصناعية فيها. فكل دولة تكرر نفس نمط المشروعات الصغيرة المنفصلة بعضها عن بعض، والتي نادرًا ما ترتقي لمستوى الحجم القادر على المنافسة. إلا أن التصنيع الأخضر يتطلب توفّر سياقات إقليمية حاضنة للتحول التكنولوجي، وبحوث علمية مشتركة، وتكامل سلاسل الإمداد إقليميًا. لا يمكن لدولة واحدة في المنطقة أن تنافس وحدها في أسواق التكنولوجيا الخضراء العالمية، سواء كانت أسواق السيارات الكهربائية أو مكونات الطاقة الشمسية أو الأسمدة الخضراء. لكن مع تضافر الجهود والتنسيق، تصبح قادرة. إذن فالتنسيق بين بلدان المنطقة في معايير الإنتاج والأُطر المنظمة ونظم الاعتماد والشهادات هو تنسيق ضروري من شأنه أن يسمح للشركات بالعمل عبر الحدود، وترقية الحجم، وجذب الاستثمارات عالية الجودة. يمكن مثلًا لتشارك البلدان المختلفة في مناطق صناعية ومراكز بحث وتطوير إقليمية أن يتيح تعظيم أثر الخبرات التقنية النادرة. يمكن على سبيل المثال لسلاسل إمداد خضراء تعمّ شمال أفريقيا أو دول مجلس تعاون الخليج، أن تنسق توفير قواعد محلية لتصنيع مكوّنات الطاقة المتجددة أو مواد البطاريات، مع التشجيع على الإنتاج بالكامل داخل المنطقة بدلًا من الاعتماد على الواردات. هذا المنطق الإقليمي – لا المحلي – للعمل سيكون مشابهًا لمسار شرق آسيا نحو النجاح في تكوين الشبكات الإنتاجية العابرة للحدود. بالنسبة للمنطقة العربية، حيث تسمو الانقسامات السياسية عادةً فوق المنطق الاقتصادي، يعدّ الانتقال الأخضر فرصة نادرة للدمج، نحو بناء سلاسل إمداد مشتركة ومعايير موحدة، وهي عملية ورائها التعاون في مواجهة تحدٍ وجودي مشترك.
- استغلال القدرات المكتسبة من إنتاج الوقود الأحفوري في تحقيق انطلاقة قوية نحو التنويع الإنتاجي الأخضر
بدلًا من اعتبار إرث النفط والغاز حِمل ثقيل مُعطِّل، يمكن لبلدان المنطقة العربية إعادة نشر قدراتها الأحفورية (على سبيل المثال في مجالات الهندسة وإدارة العمليات وتنفيذ المشروعات الكبيرة) نحو التنويع الأخضر. ففي كل من الجزائر والسعودية وسلطنة عُمان توجد نفس الشركات النفطية الوطنية التي تولت بالكامل عمليات الإنتاج الهيدروكربوني، وهي الهيئات القادرة على أن تصبح ناشطة في تحقيق التصنيع الأخضر، إذا أعيد توجيه أنشطتها بشكل استراتيجي في مجالات تدبير المشتريات والبحث والتطوير والاستثمار. فالمهارات المتراكمة من إنتاج البتروكيماويات ولوجستيات أنابيب الغاز والنفط، وإدارة المنشآت الإنتاجية المعقدة، يمكن أن يعاد توجيهها نحو بناء قطاعات وشرائح جديدة عالية القيمة الإنتاجية، في نطاق سلاسل إمداد الطاقة النظيفة على تنوعها. أي أن الاعتماد على المسار القائم يمكن أن يتحول إلى مورد هام إذا أعيد توجيهه نحو تخطيط سياسة صناعية جديدة. لكن يحتاج هذا الأمر إلى إصلاحات مؤسسية: فشركات النفط الوطنية عليها ألا تكتفي باستخلاص الأرباح حصرًا، بل أن تنشط أيضًا في مجالات الترقية التكنولوجية، وتطوير الإمدادات، وتنويع أنظمة الطاقة. وفي ما يخص شركات النفط الأجنبية، يمكن أن تكافئ النظم المالية القائمة إعادة توجيه الاستثمار نحو الصناعات الخضراء المحلية، بدلًا من الاعتماد على الأرباح قصيرة الأجل.
ليس أي من المذكور بالأمر السهل؛ فهذا الكتاب لا يسعى إلى تقديم صورة وردية عن تحديات شاقة، إنما القصد هو استجواب واستنطاق ما هو مطروح أمامنا من افتراضات، وتسليط الضوء على مواطن الضعف، والإشارة إلى مسارات تصل بنا إلى حلول حقيقية. إنني أرفض نعيم وراحة فكرة أن التوفيق بين التنمية الاقتصادية والحراك البيئي أمر سهل. هذا وهم، ولقد أسهم جزئيًا في الأزمة البيئية التي نحن بصددها الآن. قصدي ليس بيع التفاؤل، إنما هو تجاوز الأمنيات والأحلام التي لا تقف على أقدام راسخة، وأن أواجه الحقائق القاسية. إن هذا الكتاب ينهض على حقيقة واقعة عنيدة: الاستدامة البيئية لم تعد خيارًا من بين عدة خيارات مُتاحة للأمم الراغبة في البقاء، ناهيك عن الازدهار. على ذلك، فالتحول العالمي نحو الاقتصاد منخفض الكربون يزيد يومًا بعد يوم في درجة الاختلال واللاتكافؤ، حيث تمضي الدول الأغنى إلى الأمام بنعومة عبر سياسات صناعية خضراء، بينما الدول الأفقر تخاطر بالتخلّف عن الركب أكثر وأكثر.
لماذا يتعين على العالم العربي أن يتحرك الآن
هذه الطبعة العربية من الكتاب هي دعوة للالتفات إلى التصنيع الأخضر وقضاياه، فهو ليس أمرًا مُجرّدًا أو عملية تحدث الآن بعيدًا عنّا، والخيارات التي ستُتخذ على مدار العقد المُقبل سوف تحدد مستقبل المنطقة الاقتصادي والسياسي والاجتماعي لأجيال مقبلة. إن العالم العربي – مثل الكثير من مناطق الجنوب العالمي – عليه واجب مقاومة تلك الفكرة القدرية التي وكأنها تهمس في آذاننا: "لا يمكننا تحمل كلفة الاستدامة"، أو "الاستدامة هي مسؤولية من أسهموا في حدوث تغيّر المناخ". إنما علينا أن نسأل أنفسنا: كيف يمكننا أن نصمم سياسات خضراء ومراعية للكافّة؟ وكيف يمكن أن تكون هذه السياسات مناسبة لسياقاتنا البيئية والمؤسسية والاجتماعية؟
إنني أدعو القراء إلى ترك مقاعد المتفرجين على هذا التحوّل العالمي، وأن يصبحوا من المهندسين والمُصممين لمستقبل المنطقة. سواء كنت صانعة سياسات أو باحث أو رائدة أعمال أو طالب أو مواطنة مهتمة ومُتابعة، آمل أن تلهمك الصفحات التالية التفكير في الواقع وتحدي الافتراضات القائمة واقتراح أفكار لسياسات والتدقيق في طبيعة عمل مؤسسات المنطقة والسياسات العامة وما إذا كانت داعمة للنموذج التنموي المرن، أم أنها تعرّض مستقبلنا للخطر. أرجو أن تصبح هذه الطبعة العربية قاعدة للحوار، ليس حول سؤال ما إذا كانت التنمية الخضراء مطلوبة، لكن حول كيف نفّعل هذه التنمية الخضراء في سياق من النزاهة والعدالة.
وأخيرًا، أتوجّه بجزيل الشكر إلى المترجمين والمحررين والمؤسسات الذين والتي جعلوا إصدار هذه الطبعة العربية ممكنًا. أتوجه بشكر خاص إلى المعهد العالمي لبحوث الاقتصاد الإنمائي التابع لجامعة الأمم المتحدة، الذي كلّفني بتأليف الكتاب وسمح بتوفّره وإمكانية قراءته للكافة بشكل مجاني. وأشكر أيضًا المعهد العابر للقوميات ومشروع "مسارات لما بعد النيوليبرالية" بالجامعة الأمريكية بالقاهرة على رعاية صدور ترجمة عربية للكتاب، وأشكر على الأخص حمزة حموشان على تشجيعه ودعمه لهذا العمل. وأتوجه أيضًا بالشكر إلى عمرو خيري الذي ترجم الكتاب إلى العربية، وغسان بن خليفة وعلي أموزاي اللذان قاما بمراجعة الترجمة.
إن توفير البحث العلمي والرؤى البحثية والفكرية حول السياسات بلغاتنا الأمّ ليس بالفعل المقتصر على دعم التواصل والفهم، إنما ينطوي هذا الفعل أيضًا على تحقيق التمكين. فالمعرفة يجب أن تنتقل وتتحرك عبر الحدود وبين اللغات، لكن يجب قبل ذلك أن تكون مغروسة في سياقاتنا وواقعنا إذا كنّا نريد لها أن تحقق التغيير الحقيقي والدائم.
أمير لبديوي
أكسفورد، أغسطس 2025