منجم في منطقة رطبة محميّة الاحتجاج الشعبي في مواجهة الاستخراجية في منجم أميزور-تالة حمزة، الجزائر
Regiones
مقدّمة: زمن المناجم
يعتمد الاقتصاد الجزائري منذ أمدٍ بعيد على المحروقات، إذ يمثّل قطاعا النفط والغاز 19% من الناتج المحلي الإجمالي و92% من الصادرات عام 2022.1 وتتجه الجزائر ببطء نحو المعادن وقطاع المناجم، اللذيْن يبدو أنّهما أُهمِلا منذ عام 1980. ويعكس هذا التوجّه تحوّلًا عالميًا نحو الإنتاج المكثّف للمعادن، أبرزه تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة لعام 2025، الذي يشدّد على الأهمية المتزايدة لـ«معادن الانتقال»، الضرورية للتحوّل نحو أنظمة طاقوية مستدامة في الاقتصاد العالمي.2 ويشكّل هذا الانتقال المرحلة الأخيرة من الأنثروبوسين، حيث تؤثّر الأنشطة البشرية بشكل لا رجعة فيه على جيولوجيا الأرض ونُظمها البيئية. وقد جرى إطلاق هذا الدمار البيئي وتعزيزه ودفعه إلى مداه النهائي إلى حدٍ كبير بفعل تدخّل الرأسمالية القائمة على التراكم والاستخراجية.
Fourate Chahal El Rekaby
في الجزائر، يشهد القطاع المنجمي دَفعة جديدة منذ عقد الـ 2000، ويُنظَر إليه اليوم باعتباره عاملًا لتنويع الاقتصاد الجزائري و«استعادة الجزائر سيادتها على الثروات الوطنية»،3 على حدّ تعبير وزير الطاقة والمناجم محمد عرقاب. وقد أُنجزت، أو يجري تطوير، عدّة مشاريع كبرى، أبرزها مشروع استغلال مناجم الحديد في غار جبيلات بتندوف، في الجنوب الغربي،4 ومناجم الفسفاط في ولاية تبسّة شرقًا الموجّهة لإنتاج الأسمدة، ومناجم الزنك والرصاص في تالة حمزة/أميزور بولاية بجاية، شمال شرق الجزائر. وتُوصَف هذه المشاريع بأنّها «مندمجة» أو «مُهيكِلة»5 لأنّها لا تندرج فقط ضمن الدوائر الاقتصادية العالمية، بل أيضًا ضمن الاقتصاد الوطني، ولا سيما من خلال إنشاء أو تعزيز الصناعات المرتبطة بها. وهكذا، فإنّ لإنتاج الزنك انعكاسات على الأنشطة الصناعية مثل صناعة الحديد والصلب (الجلفنة)، وصناعة السبائك (النحاس الأصفر)، وصناعة السيارات، وما يسمّى بقطاعات الكيمياء والعمليات (الصيدلة، مستحضرات التجميل، المطّاط، إلخ). أمّا الرصاص، فيُستخدم في صناعة البطاريات، والحماية من الإشعاعات، والزجاج، والسيراميك، وغيرها. ويرافِق هذا التحوّل في القطاع المنجمي مَنْحٌ متزايد لرخص الاستغلال والاستكشاف لشركات أجنبية، ولمستغليّن محلّيين صغار، ولمؤسسات عمومية مثل المؤسسة الوطنية للمنتجات المنجمية غير الحديدية والمواد النافعة (ENOF). وهكذا تدخل الجزائر زمن المناجم، مُعزِّزَةً نهجها الاستخراجي الذي بدأ مع المحروقات.
تتناول هذه الدراسة أحد المشاريع المنجمية المصنّفة باعتبارها «مهيكِلة»، ليس من أجل تفصيل جوانبه التقنية أو الاقتصادية بقدر ما تهدف، من جهة، إلى فهم كيف يكشف هذا النوع من المشاريع عن تموضعات الدولة والفئات الاجتماعية المَعْنِيّة، ومن جهة أخرى، كيف تصطدم مثل هذه المبادرات، شأنها شأن كلّ مشروع لاستغلال المواد الأوّلية ذي النزعة الإنتاجوية والاستخراجية البحتة، بالمسائل البيئية وتندرج ضمن علاقات الهيمنة واللامساواة على المستويَين العالمي والمحلّي. وعليه، ففي سياق التغيّرات المناخية، وفي لحظة يشهد فيها العالم اختلالًا كبيرًا بسبب الضغط البشري على البيئة، إلى أيّ حدٍ تُشكِّل المسألة البيئية ومسألة الاقتصادات المحلّية رهانًا حيويًا بالنسبة للسكّان الذين يواجهون قرارات اقتصادية تهدّد حياتهم؟
تُجسّد المشاريع المنجمية الرهانات المرتبطة بالاستخراجية. ونحن نفهم الاستخراجية باعتبارها سلسلة من الأفعال تقوم على استخراج المادة بهدف إنتاجوي صرف وموجَّه نحو التصدير، وعلى تجريد السكّان من أراضيهم وتراثهم، وإفقار بيئتهم. فهي إذن أحد أشكال نزع الملكية والافتراس. من جهة، تستفيد هذه الممارسة من اللامساواة عبر وضعها في صلب المبادلات بين البلدان التي توجد فيها المواد الأوّلية والبلدان حيث تتحكّم الشركات العابرة للقوميات بالدورات الاقتصادية العالمية الإقصائية؛ ومن جهة أخرى، فإنها تحوّل المناطق المتضرّرة إلى مناطق تضحية. ويُبعِد الاستخراج السكان المحلّيين عن مواردهم ويزيد من هشاشتهم.6
Fourate Chahal El Rekaby
السياق
منذ سنوات 2000، تردّ الجزائر على الانتقادات المتعلّقة بالاعتماد شبه الحصري لاقتصادها على المحروقات من خلال توجّهها نحو النشاط المنجمي.
فلطالما كان النفط والغاز ركيزةً للاقتصاد الوطني. فقد ارتفعت مساهمتهما في الناتج المحلي الإجمالي من 21.5% إلى 30.1% بين عامَيْ 1993 و1997. وخلال هذه الفترة، ارتفعت حصّة المحروقات في مداخيل ميزانية الدولة من 58% إلى 63.9%،7 ولم تتوقف عن الارتفاع منذ ذلك الحين. وفي عام 2000، قُدِّرت العائدات النفطية بـ22 مليار دولار، وكان قطاع المحروقات يمثّل 40% من الناتج المحلّي الإجمالي، أي 80% من مداخيل الميزانية و99% من الصادرات.8 وبين عامَيْ 2019 و2023،9 أصبح القطاع يمثّل 86% من الصادرات و47% من مداخيل الميزانية.
ورغم حديث السلطات العمومية عن الطاقات المتجدّدة، إلّا أنّ هذا القطاع لا يزال ضعيف التطور؛ إذ أُوكلت مهمّة تنويع الاقتصاد اليوم إلى قطاع المناجم، الذي يُقدَّم باعتباره القطاع الواعد بـ«دَفعة جديدة» لتعزيز «السيادة الوطنية».
المنهجية:
بدأ بحثنا في 2022 واستمرّ حتى شتاء 2026. وقد اعتمدنا منهجية مُثلَّثة تجمع بين الملاحظة بالمشاركة، والمقابلات، والتحليل الشامل للمقالات الصحفية وخطابات المسؤولين، وبرامج الإذاعة والتلفزيون الجزائريّيْن، والقنوات التلفزيونية الخاصّة. كما اطّلعنا على شبكات التواصل الاجتماعي (صفحات فيسبوك المحلية والوطنية والدولية، وكذلك يوتيوب) التي يشارك فيها فاعلون مختلفون (خبراء، ناشطون، سكان)، بالإضافة إلى التقارير الاقتصادية وتقارير الجمعيات. شاركنا في المسيرة الشعبية لعام 2023 التي نظّمتها الجمعيات ولجان القرى في المنطقة، وجمعت أكثر من 300 شخص، من بينهم عدد كبير من الشبّان والشابّات. وقد بدأنا مقابلاتنا الرسميّة خلال هذا الحدث مع الأشخاص الحاضرين، وكذلك مع النشطاء وسكان القرى. واستمرّت الملاحظات والمقابلات الرسمية حتى خريف 2025، رغم أنّ ملاحظاتنا ونقاشاتنا غير الرسمية تواصلت بعد هذا التاريخ. ولم يكن بإمكاننا مقابلة المنتَخَبين المحلّيين، إذ كان بعضهم أصلًا في وضع غير مريح. وأخيرًا، يستند بحثنا إلى الدراسة العلمية المحلّية. وقد ساعدتنا هذه الأعمال على فهم الرهانات المرتبطة بالمسائل البيئية وخصوصيات المنطقة.
مشروع منجم تالة حمزة-وادي أميزور
يجسّد مشروع منجم تالة حمزة وادي-أميزور بولاية بجاية هذه الديناميكية الاستخراجية بشكلٍ مثاليّ. فقد أُطلق عام 2006،10 واستغرق الأمر عشرين سنة حتى يتحقّق، قبل أن يُصنَّف مؤخرًا باعتباره مشروعًا «ذا منفعة عامّة»، أي يُفترَض أن يستفيد منه الشعب بأسره. يقع المنجم في وادي الصومام، المُصنَّف منطقة رَطبة ذات أهمّية عالمية بموجب اتفاقية ‘رامسار’،11 التي صادقت عليها الجزائر عام 1984. وتضمّ المنطقة أنواعًا نادرة من الحيوانات والنباتات، بالإضافة إلى طبقة مائية جوفية يُقدَّر حجمها بـ 1600 مليار متر مكعّب.12 وبفِعل التساقطات المطريّة الغزيرة، التي تبلغ حوالي 1200 ملم سنويًا،13 ما يجعلها من أكثر مناطق الجزائر استقبالا للأمطار، تَعبُر ولاية بجاية عدّة أودية: الصومام (90 كلم)، أغريون (80 كلم)، الجمعة (46 كلم)، والزيتوني (30 كلم).
تُمارَس في المنطقة زراعة عائلية.14 ويستند الاقتصاد الصناعي بها إلى الصناعات الغذائية الزراعية، مع وجود بعض الشركات الكبرى مثل مجموعات ‘سيفيتال’ و’كانديا’ و’دانون’، إضافة إلى شبكة من المؤسّسات متوسطة الحجم، وإنتاج المشروبات الذي يتيحه توفّر موارد مائية هامّة.15 تُفرز هذه الشركات كمّيات كبيرة من النفايات غير المعالَجة التي تُصرَّف مع المياه المستعمَلة في المجاري المائية المجاورة (وادي الصومام، الوادي الصغير، وادي أميزور)، قبل أن تنتهي في محطة معالجة المياه المستعمَلة وفي البحر.16 يُعَدّ التلوث البحري بالغ الخطورة في الجزائر، ويساهم في تراجع مردودية الصيد البحري، التي انخفضت بنسبة 80% منذ عام 2005.17 وسواحل بجاية ليست مُستثناةً من ذلك. ويعود هذا التراجع إلى أسباب بشرية، لا سيما المياه المستعملة، ورمي النفايات العضوية والبلاستيك، مع ما يترتّب عن ذلك من آثار سلبية على ما في البحر من حياة ونظام بيئي.
يقع منجم الزنك-الرصاص بتالة حمزة-وادي أميزور على حدود بلديّتيْن ريفيّتين زراعيّتين هما أميزور وتالة حمزة، ويبلغ مجموع سكانهما 80,573 نسمة (77,756 في أميزور و12,817 في تالا حمزة)18. ويمتدّ المنجم على مساحة 234 كلم²، تشمل جزءًا من وادي الصومام (910,845 كلم²)،19 بينما تقع مدينة بجاية على بعد 20 كلم في خطٍ مستقيم.
Credit: OpenStreetMap openstreetmap.org/copyright Data source https://terramin.com.au/projects/tala-hamza-zinc-project/
خلفيّة تاريخية للمشروع
بحسب مسعود حوفاني، الجيولوجي بوزارة المناجم،20 فقد خضعت المنطقة لأوّل عملية استكشاف من قِبل الدولة عام 1977، لكنّ المشروع لم يُستكمل آنذاك. وعاد المنجم إلى الواجهة مجدّدًا خلال سنوات الـ2000، عندما بدأت الجزائر تتّجه نحو القطاع المنجمي عبر سنّ نصوص قانونية جديدة عامَيْ 2001 و2014.
ولتقديم لمحة موجزة، يُعَدُّ القانون المنجمي عدد 01-10، المؤرّخ في 03 جويلية 2001، أوّل قانون يفتح القطاع أمام الاستثمارات الأجنبية منذ تأميمه في 1966. وهو يسمح للمتعاملين الأجانب بالاستثمار وامتلاك رخص الاستغلال في هذا القطاع الذي يُعتبر قطاعًا سياديًا. وقد أُعيدت صياغة هذا القانون في فيفري 2014 من خلال القانون عدد 14-05 المتعلّق بالنشاطات المنجمية،21 الذي أعاد منح الدولة دورًا مهيمنًا في استغلال وتسيير القطاع المنجمي. وتنصّ المادة 72 من هذا القانون على نسبة «دُنيا» لمشاركة السلطات العمومية (51%)، مع الإبقاء على إمكانية إقامة شراكات مع القطاعيْن الخاص الوطني والأجنبي. وفي أوت 2025، اعتمدت الجزائر قانونًا منجميًا جديدًا، عدد 25-12، يسمح للشركات الأجنبية بامتلاك ما يصل إلى 80% من رأس المال، ويمسّ بشكل صريح وضمني بأهمية وأولوية حماية الأشخاص والبيئة. في منجم تالة حمزة-وادي أميزور، حصلت الشركة الأسترالية ‘تيرامين’ عام 2006 على رخصة استغلال بحصّة بلغت 65%، مع تخصيص 35% للطرف الجزائري.22
وفي عام 2014، أُنشئت شركة Western Mediterranean Zinc SPAL.23 وهي تضمّ ‘تيرامين’، والمؤسسة الوطنية للمنتجات المنجمية غير الحديدية والمواد النافعة (ENOF)، والديوان الوطني للبحث الجيولوجي والمنجمي (ORGM).
وقد أُعيد تخفيض حصص ‘تيرامين’ عام 2022 بما يتماشى مع التشريع المعمول به منذ 2009 بشأن توزيع الحصص، أي 51% للطرف الجزائري و49% للشركاء الأجانب. وقد استفادت الشركة الأسترالية من هذا التعديل، إذ حصلت على الفارق رغم أنها لم تُنجز بعد أي استثمار ذي أهمية. وكما سنرى لاحقًا في هذه الدراسة، فإنّ ذلك لم يُتِح تحقيق مردود مالي فوري، بل فتح الباب أمام حوافز تجارية قائمة على استراتيجية طويلة الأمد. وقد ثبّتت ‘تيرامين’ موقعها كفاعل تقني وتشغيلي في المشروع، وحصلت على مزايا جبائية واقتصادية، من بينها الترخيص بإجراء أشغال استكشاف في مساحات أوسع. وفي سنة 2025، أعيدت تسمية الشركة لتصبح Bejaia Zinc and Lead Spa (BZL).24
وفي عام 2023، م منحت وزارة الطاقة الشركة رخصة استغلال منجمي، إضافة إلى امتيازات جبائية مهمّة ونفقات بنية تحتية عمومية. وجاء ذلك عقب «دراستَيْ جدوى [عامَيْ] 2016 و2018» يُزعَم أنّهما أُنجِزَتا من قِبل «مكاتب دراسات عالمية كبرى».25 كما أشارت نجيبة بورنان، المديرة العامة للمناجم بوزارة الطاقة، إلى وجود «دراسات» دون تقديم تفاصيل إضافية، فيما لا يذكر موقع ‘تيرامين’ الإلكتروني سوى دراسة واحدة فقط.
وفي ربيع 2026، بدا أنّ المشروع بلغ نسبة إنجاز تقنية تُقدَّر بـ40%. ومن بين المشكلات المذكورة، مشكلة هيدروليكية،26 بحسب مهندس استشهدت به جريدة ‘هورايزون’. ويُذكّر بروس شنغ، الرئيس التنفيذي لشركة ‘تيرامين’، بأنّ المشروع تأخّر بسبب العراقيل المرتبطة بالوصول إلى الموقع، مضيفًا: «بعد أن أصبح الوصول إلى الموقع مؤمَّنًا، يمكننا التركيز على التنفيذ والمُضِيّ قُدُمًا بالمشروع نحو التطبيق». أمّا بخصوص القرى المتضرّرة من نزع الملكية، فيلاحظ مُحاورونا أنّ إنجاز البنية التحتية لم يبدأ بعد، وأنّ القرويّين المقيمين في هذه القرى ما زالوا يرفضون مغادرة منازلهم.
حول المشروع: ملاحظات حول بعض المعطيات
تُقدَّر احتياطات المنجم بـ34 مليون طن، مع إنتاج سنوي يبلغ 170 ألف طن من الزنك.27 وتُقدَّر نسبة المعدن الخام بـ5.6% من الزنك و1.9% من الرصاص،28 فيما تصل مدّة استغلال المنجم إلى 19 سنة، مع إمكانية تمديدها إلى 30 أو 40 سنة، إضافة إلى توسيع عمليات الاستكشاف خارج النطاق الأصلي للمنجم. ووفقًا لباعثي المشروع، يمكن أن يوفّر الاستغلال 700 موْطِن شغل داخل المنجم نفسه و4000 غير مباشر.29 كما يُرتقَب إنشاء محور للتكوين في الموقع، وكذلك في مدرسة منجم غار جبيلات المجاورة لمنجم الحديد الذي يحمل الاسم نفسه. وهذه الأخيرة هي في الواقع مصنع للمعالجة الأولية، كان من المقرّر افتتاحه عام 2025 قبل أن يُرجأ إلى 2026. وبدلًا من إنشاء مدرسة جديدة، تمّ تحويل المعهد الوطني المتخصص للتكوين المهني بتندوف، الذي أُعيدت تسميته مركز التميّز المتخصّص في مهن المناجم، ودُمجَت ثماني تخصّصات منجمية في برنامجه.30
ومن أجل استخراج الخام، وقع الاختيار على طريقة «الغرفة المردومة» [cut-and fill-stopping]، التي تقوم على طحن الصخور والمعادن التي تحتويها وسحقها عموديًا. وتُقدَّم هذه الطريقة باعتبارها بديلًا أكثر احترامًا للبيئة، عوضًا عن تقنية الـتهديم الكُتَلي (block caving)، «[…] التي كانت ستترك حفرة مفتوحة على وادي أميزور».31 إنّ طريقة الغرفة المردومة المعتمَدة مُكلفة من حيث الطاقة والمعدات، لكنها تسمح باستخراج أقصى قدر ممكن من الخام. وتقوم تقنية تدعيم الحجرات التحت أرضية على إنشاء دعامات بواسطة الردم وملء الفراغات التي يخلّفها استخراج الخام. كما تتيح العودة إلى المقاطع المجاورة التي لم يقع استغلالها خلال عملية الاستخراج الأولى. غير أنّ الردم يحتوي على مخلّفات معدنية «سامة بدرجات متفاوتة»،32 يُضاف إليها الماء والإسمنت. وتُضاف إلى الخليط مادة «البوزولان».33
Fourate Chahal El Rekaby
البيئة بوصفها رهانًا
يتيح الخطاب الِحجاجي للدولة فهم الكيفيّة التي تُمارَس بها الاستراتيجية الخطابية القائمة على إسكات المعارضة، مع إعادة صياغة أقوال السكان المحلّيين بما يخدم الخطاب الرسمي. وسنعود بمزيد من التفصيل إلى هذه الاستراتيجيات عند مناقشة التفاعلات بين الدولة والجمعيات والسُكّان، ولا سيما فيما يتعلّق بالمطالب المرتبطة بحماية السكان وبيئتهم.
وتشير السلطات إلى التقنيات المستعملة لضمان غياب أي خطر على البيئة وصحة السكان، زاعمةً أنّ أعمال الردم تحترم التكوينات الطبيعية، أو منطلقةً من افتراض مفاده أن البيئة التي ينبغي الانتباه إليها توجد تحت الأرض فقط، لا على السطح وفي الهواء أيضًا. ووفقًا لحوفاني، فإن «70% من النفايات» الناتجة ستُدفن،34 في حين يُشكّك هذا الأخير، بصورة ضمنية، في وجود الطبقة المائية الجوفية حين يقول: «من الممكن ألّا تكون هناك طبقة مائية»، رغم الأعمال العلمية والبطاقة التقنيّة الخاصّة برامسار، التي صادقت عليها الدولة الجزائرية، والتي تؤكد جميعها وجود هذه الطبقة المائية.35
علاوةً على ذلك، تتضمّن «خطّة الإدارة البيئيّة» الخاصة بشركة ‘تيرامين’ شقّيْن يتعلقان بالصحة العامة والبيئة، وكلاهما مضمونان من قبل الشركة المستغِلّة، وقد خُصّص لهما 25% من الميزانية الإجمالية للمشروع، المقدّرة بـ500 مليون دولار.36 وبعبارة أخرى، سيُخصَّص مبلغ 125 مليون دولار لمعالجة الآثار المترتّبة على الصحة والبيئة بعد انتهاء المشروع، أي بعد 19 سنة.
المعارضة المحلّية لاستغلال المنجم
شدّدت الأدبيات المتعلّقة بالرهانات الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن إقامة المناجم في منطقة المغرب الكبير، بشكل خاصّ، على الطابع الاقتصادي والاجتماعي للمطالب المرتبطة بهذه المشاريع، حتى يجري التعامل مع البعد البيئي بوصفه توسّعًا أو جانبًا ثانويًا، لا باعتباره عُنصرًا عضويًا من عناصر النضالات المناهضة لاستخدام المناجم لأغراض استخراجية. وهكذا، جرى تحليل حركة الاحتجاج التي شهدتها ولاية قفصة، في جنوب تونس عام 2008، من زاوية الافتراس النيوليبرالي، والزبونية، والتوريث.37 غير أنّ هذه التفسيرات ازدادت تشعّبًا مع الدراسات التي تربط بين الاقتصاد والإيكولوجيا السياسية. ومن أمثلة ذلك تحليل الحركة الاحتجاجية في إميضر (جنوب شرق المغرب) ضد استغلال منجم الفضة الذي أدى إلى تجفيف المنطقة،38 أو كذلك في الجزائر، بمنطقة عين صالح (الواقعة على بعد 1200 كلم جنوب الجزائر العاصمة) ضد استغلال الغاز الصخري،39 حيث أدّت الجمعيات البيئية المحلّية دورًا حاسمًا في انتصار الحركة الاحتجاجية. والأكثر دلالة من ذلك، أنّ معارضة مجمل السكان للمشروع طوال أكثر من خمسة أشهر ــ وهي ظاهرة غير مسبوقة في الجزائر آنذاك ــ أرسَت أُسُس الحراك المواطِني ذي المضمون الاجتماعي-البيئي.40 وفي القطاع الزراعي، استعادت ساكنة واحة جمنة (جنوب شرق تونس) المنتجات والأراضي التي كانت قد جُرّدت منها.41
تقدّم حالة تالا حمزة-وادي أميزور بعض أوجه الشبه مع حالة عين صالح. فقد كانت جمعيات حماية البيئة، بالفعل، أوّل من تحرّك ووثّق المخاطر المترتّبة عن إقامة المنجم. وفيما يلي، سنعرض بإيجاز ردّ السكّان المحلّيين، في محاولة لفهم لماذا لم تؤدِّ حُججهم ـ رغم متانتها الكبيرة ـ إلى ردّ فعلٍ مهمٍ ضدّ مشروع المنجم، الموجود بالمناسبة في منطقة معروفة بقوة تنظيمها المدني ونضالاتها الديمقراطية.
فعلًا، لطالما عُرفَت منطقة القبائل في شمال الجزائر بلجان القرى،42 التي تتكوّن من ممثّلين ذكور عن العائلات. وتضمّ بعض القرى جمعيات غالبًا ما تكون منخرطة في قضايا البيئة والتضامن. ومن بين الجمعيات التي تحرّكت منذ قرار إعادة إطلاق مشروع المنجم عام 2020، نجد جمعية تيويزي/التضامن بقرية مرج ومان، وجمعية آيت يحيى الموجودة في القرية نفسها، وإيمازيوَن/إيزغاين بآيت بوزيد، وتادارث إيبزغيشن (وهي جمعية شكّلها أبناء القرية التي صارت اليوم غير مأهولة، لكنّ سكانها السابقين ما زالوا يملكون فيها أراضي تُزرع أحيانًا).43 أما جمعيتا تالسا وأرض/Terre، فتقيمان أنشطتهما على مستوى الولاية. وفي عام 2022، شكّلت جمعيات تيويزي وآيت يحيى وإيمازيوَن ائتلافًا من أجل إسماع أصواتها على نحو أفضل.44
التفاوت 1: ترسيخ المعارضة في صميم الرهانات البيئية
جرى نشر تحرّكات هذه الجمعيات؟ للإجابة على ذلك، سنعود أوّلًا إلى الجوانب الاجتماعية والبيئية والاقتصادية التي أثارها المعارضون لمشروع المنجم. ثمّ سنتناول لاحقًا تموضعاتهم السياسية، وصعوبة تداول المعلومات، وأنماط التواصل داخل فضاء عمومي محدود واقصائي.
شدّدت الجمعيات على بُعديْن: البيئة والصحّة من جهة، والجوانب الاقتصادية من جهة أخرى، لا سيما العجز المالي لشركة ‘تيرامين’ عن استغلال المنجم. وتتعلّق انتقاداتها أخيرًا بشبهات الفساد، التي لم تُحدَّد في مختلف المداخلات، لكن جرى التنبيه إليها عند منح رخصة استغلال المنجم عام 2006، وكذلك بخصوص استئناف المشروع وتقلّباته رغم الرأي غير المؤيّد الصادر عن الولاية.45
تستند الحجة البيئية إلى الطابع المحمي للموقع، المصنَّف منطقةً رطبة، لكنه يعاني في المنبع من إجهاد مائي نتيجة عمليات الضخّ التي تقوم بها صناعات المياه الموجودة أصلًا. ويؤكّد هذا الواقع مصنعُ تحلية المياه الجاري إنشاؤه في تيغرمت (على بعد 30 كلم من بجاية)، وكذلك إجراءات تقييد توزيع المياه المفروضة على السكان.46 ومع ذلك، لم تَحُل ندرة المياه دون تخصيص 50% من المياه المتاحة للمشروع المنجمي، وهي معلومة تتناقلها الصحافة دون مساءلة، رغم أنّ تناولها يظلّ في الغالب عامًا جدًا وغير دقيق فيما يتعلّق بآليات حماية البيئة:
اتخذت تدابير لمتابعة ملف إدارة المياه في هذه المنطقة، من خلال إرساء نظام لتصريف المياه وتجميعها بغرض إعادة استعمال 50% منها في منظومة الإنتاج الصناعي للراسب المنجمي، وحماية التنوّع البيولوجي، وتطوير برنامج للمراقبة البيئية يسمح بـ”تقييم متواصل” للأثر البيئي الناجم عن المشروع.47
ولا يمثّل هذا سوى مثال واحد من بين أمثلة عديدة على المعطيات ضعيفة الأساس التي تنشرها الصحافة بشأن توزيع 50% من الموارد المائية، وعن الكيفيّة التي يُؤخذ بها التنوع البيولوجي في الاعتبار ضمن هذا المنطق التوزيعي.
علاوة على ذلك، تُعتبر مشاكل الجريان السطحي وإنتاج النفايات السامّة أمرًا لا مفرّ منه. فمواد الردم الالسامّة، إلى جانب أساليب التخزين القائمة على أحواض احتجاز المياه، فضلًا عن المواد الكيميائية اللازمة لمعالجة الخام بواسطة التعويم، تُعَدّ «غير كافية وضعيفة النجاعة» لحماية البيئة والسكان، بحسب الجمعيات. كما ستؤثّر مياه الجريان السطحي في المجاري المائية وفي المياه السطحية، وبالتالي في الطبقة المائية الجوفية الواقعة على بعد 300 متر من وادي أميزور. كما ستكون النتائج مدمّرة بالنسبة إلى الغطاء النباتي والحياة الحيوانية، ولا سيما الأنواع النادرة أو المهدَّدة بالانقراض التي تعيش على الشريط الساحلي البحري الواقع غير بعيدٍ عن المنجم.48 ويشير تقرير صادر عام 2021 عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة إلى أنّ: «الفاعلين في قطاع الصيد البحري قلقون بشأن مستقبل هذا القطاع بالنظر إلى تدهور حالة الموارد والوسط البحري، وتطور الأنشطة الاقتصادية، وتزايد الضغوط على الشريط الساحلي والساحل البحري».49 وإضافة إلى ذلك، يقع المنجم غير بعيد عن صدعٍ زلزالي.50
ووفقًا للجمعيات، ستتأثّر صحّة الإنسان بدورها، لأنّ استغلال مناجم الرصاص معروف بأضراره الصحية الخطيرة، بما في ذلك التسمّم بالرصاص، والاضطرابات العصبية، والسرطان. وتستشهد الجمعيات بتجارب سُجِّلت في الجزائر (منجم الزنك بالقرب من سطيف)51 وفي أماكن أخرى (فرنسا وأمريكا اللاتينية)، تُظهر استمرار الأضرار الناجمة عن المعادن لفترات طويلة على سطح الأرض وفي التربة وكذلك في الهواء.52 ويشير أحد أعضاء جمعية ‘تالسا’ إلى أنّ: «العائدات الاقتصادية لن تعوِّض أبدًا الخسائر البيئية […]. وتُظهر التجربة العملية أنّ الشركات الصينية [تُموَّل ‘تيرامين’ بأصول تابعة للدولة الصينية]53 تترك مواقع الاستغلال على حالها [مثل] منجم العابد [بتلمسان، في الوسط الغربي، الذي أُغلق سنة 2003]، والذي استأنف الصينيون استغلاله [وقد تركوا] المعادن في الهواء الطلق، مع خسارة بلغت 50% من الخام.»54
وقد أعاد تمهيد مشروع قانون المناجم النظر في حماية منطقة منجم تالة حمزة-وادي أميزور بموجب اتفاقية دولية. فقد نُصّ صراحة، في النقطة الثالثة (3) من هذا المشروع، على أنّه، متى صادق الوالي، لا يمكن لهذا الأخير أن يتراجع عن قراره في ضوء معطيات جديدة. أما النقطة (4) فتنصّ على «تخفيف الإجراءات الخاصة بالمؤسسات المصنّفة»، أي بالمواقع المحميّة. ويبدو أنّ هذه النقطة تهدف إلى التوفيق بين التشريعات المنجمية والبيئية بشأن المواقع المُصنَّفَة . ويشير النص إلى «تعقيدات متكرّرة تؤدّي، في معظم الحالات، إلى تعطيل المشاريع المنجمية» (مشروع تمهيدي للقانون عدد 2025-5)، ليخلُص إلى «ضرورة وضع ترخيص موحّد يخضع حصريًا لأحكام القانون المنظّم للأنشطة المنجمية، بما يسمح بإعادة إطلاق قطاع المناجم».55 ويُعَدّ التمهيد عنصرًا سياسيًا مهمًا في عملية تطبيق القوانين. فهو يُبرِّر ضمنيًا وبشكل غير مباشر المرسوم الرئاسي الذي ألغى اتفاقية رامسار (انظر التفاصيل أدناه)، ويؤطّر النقاشات. وبعد بعض المناقشات في البرلمان وتحذير علني من قِبَل بعض الأحزاب السياسية، صادق البرلمان على قانون المناجم في 16 جوان 2025.
وتتناول انتقادات الجمعيات المركّزة على الاقتصاد جدوى استغلال منجم من هذا النوع، لا تتجاوز فيه نسبة خام الزنك 7%، كما تتناول ضعف عدد مواطن الشغل التي يوفّرها «هذا النوع من المناجم الذي لا يمكنه تشغيل سوى 10% إلى 15% من اليد العاملة المحلية».56 فاليد العاملة المؤهلة في هذا القطاع المحدّد غير متوفرة في الجزائر، ومن هنا تأتي ضرورة التكوين المهني. وعلاوة على ذلك، في هذا المشروع الذي تبلغ قيمة استثماراته 500 مليون دولار، فإنّ الدولة هي التي تموّل57 البُنى التحتية (الطريق نحو الطريق السيّار الجديد A20، والجسر، والرصيف المينائي الجديد)، وتمنح جباية تفضيلية58 للمستثمرين في هذا القطاع. وإضافة إلى ذلك، لا تتمتع ‘تيرامين’ لا بالسيولة المالية ولا بقدرات الاقتراض. فشركاؤها هم الذين يموّلون مشاريعها، مثل Japan Organization for Metals and Energy Security،59 أو كذلك SEEC، التي تعود ملكيّتها إلى الحكومة الصينية وتديرها وكالة Sipac،60 وكذلك China Investment Corporation التي تدير الصناديق السيادية الصينية. وعلاوة على ذلك، تُظهر التقارير المالية للشركة أنّها لم تحقق أي أرباح منذ بدء نشاطها.61
ووفقًا للجمعيات، فإنّ من شأن إدارة اقتصادية جيّدة لهذه المنطقة التي تخلّت عنها الدولة، والتي يُجبَر سكانها، بسبب غياب مواطن الشغل، على «الهجرة»، أن تقترح بدائل اقتصادية تستجيب لطابعها السياحي وطبيعتها الزراعية، ولا سيَما الزراعة الجبلية، وتربية الماشية على نطاق صغير، وغراسة البساتين، وهي أنشطة تساهم في تثبيت السكان في المناطق الريفية، وفي إنشاء سلاسل زراعية مندمجة.
Fourate Chahal El Rekaby
التفاوت 2: التعتيم والمناورات الكبرى
كيف يجري تداول هذه المواقف والحجج في الفضاء العمومي، وماذا تخبرنا عن علاقة الدولة بالمجتمع المدني وبإمكانيات المشاركة السياسية للسكان؟ تُعدّ قدرة الدولة على اتخاذ القرار عنصرًا أوّلَ ينبغي مراعاته في علاقتها بالمجتمع المدني والسكان. وكما ذُكر سابقًا، منحت الدولة ‘تيرامين’ عام 2006 نسبة 65% من حصص أرباح استغلال المنجم، ورخّصت لها عام 2023 باستغلاله. وفي الحالة الجزائرية، لم يكن للمجتمع المدني بولاية بجاية أيّ تأثير في القرارات، ولم يكن بإمكانه سوى ردّ الفعل، على غرار ما حدث في مدينة عين صالح. وفي عام 2020، بدأ سكان قريتَيْ آيت بوزيد و مرج ومان النقاش حول المشروع رغم القيود المرتبطة بجائحة كوفيد-19. وستتواصل هذه النقاشات، وستتيح لاحقًا للجمعيات تجميع قواها ضمن ائتلاف.
إنّ العلاقة بين الدولة والجمعيات ولجان القرى غير متوازنة. فالطرفان لا يلتقيان، و«الحوار» أقرب إلى سلسلة تصريحات متتالية منه إلى تبادل لوجهات النظر. والفضاء العمومي هو ساحة معلوماتية تُعبّأ فيها وسائل التواصل بشكل غير متكافئ بين الطرفين. فممثّلو الحكومة المختلفون، كوزير الطاقة، والإطارات، والصحفيين، بل وحتى الأساتذة الجامعيين المُعيَّنين في لجان، يُبَثّون عبر التلفزيون والإذاعة الوطنيّيْن، وكذلك في الصحافة المكتوبة (العمومية وما يُسمّى الخاصة)، في حين تنحصر الجمعيات والمجتمع المدني في شبكات التواصل الاجتماعي (ولا سيما فيسبوك) وبضع قنوات على الإنترنت مثل AlternaTV، ومقرّها مونتريال، وقناة Berbère TV على الإنترنت.
ويتجلّى هذا التفاوت أيضًا في تداول المعلومات وفي استراتيجيات الحجب والمنع. فمثال دراسة تأثير إقامة المنجم يبيّن كيف يُنظَر إلى مشاركة السكّان، وكيف تعكس هذه المشاركة العلاقات بين الدولة والمجتمع. إذ رغم أنّ القانون يُلزم السلطات المحلّية بنشر دراسات التأثير، فإنّها تُوظَّف عمليًا كوسيلة للتحكّم في المعلومات. ويروي أحد السكّان: «فوّضَت الجمعيات أشخاصًا للاطّلاع عن قرب على دراسة التأثير وقراءتها على مستوى المجلس الشعبي البلدي، [لأنّه] لم نتمكّن من الوصول إليها، ولم نحصل على نسخة منها لدراستها كما ينبغي». فقد فوّضت لجان القرى أعضاءً بالتناوب للاطلاع عليها، وهو ما تطلّب ساعات عديدة من العمل. وخلُصوا إلى أنّ دراسة التأثير هي دراسة عام 2018، وليست دراسة حديثة كما زعم والي بجاية. وحسب الجمعيات، فإنّ هذه الدراسة ليست سوى «مذكّرة بسيطة» لا دراسة بالمعنى الدقيق. وقد طلبت الجمعيات، دون جدوى، لقاء من أنجزها، وكذلك لقاء السُلطات من أجل «التحاور» حول الجوانب الإشكالية.
بدأت حملة التوعية التي تقودها الجمعيات المحلّية بشأن مشروع المنجم في فيفري 2021. ودعت بلدية أميزور السكان إلى التعبير عن رأيهم في سجلّ فُتح لهذا الغرض. وتناولت الاستشارة دراسة الجدوى المنجزة عام 2018. وضمّ السجلّ 176 توقيعًا ضد مشروع المنجم و 16 توقيعًا مؤيّدًا له. وأُرسلت رسالة تتضمّن التوقيعات إلى سلطة الولاية عبر البلدية، لكنّ رئيس البلدية منع إرسالها. ولم تعلم الجمعيات بذلك إلّا في وقت لاحق.
وعلى جميع المستويات، تتمثّل ممارسات السلطات (الوزارة، الولايات، الدوائر، البلديات) في توظيف الفرص والبدائل التي تقترحها الجمعيات والسكان المحليون لمصلحتها، مع الحدّ من تطبيقها . فعلى سبيل المثال، ورغم أنّ القانون يفرض استشارة عمومية، يُمنع مندوبو لجان المواطنين من المشاركة في اللقاءات القليلة مع الوالي، في حين يُتجاهَل ببساطة طلبات الجمعيات والسكان.
نحن جمعية معتمَدة من الدولة. كان من المفترض أن يمنحونا دعوات، لكنّهم اكتفوا بدعوة الرئيس. وقد طلب الرئيس الحصول على أربع أو خمس دعوات، لأنّه لم يرغب في الذهاب بمفرده [تجنّبًا لأيّ تخويف]. فأخبروه أنّه سيحصل على دعوة واحدة فقط، فرفض الرئيس المشاركة.62
وأحيانًا، يُكثِر الوالي من اللقاءات، التي يمكن وصفها بـ«عمليات تواصل»، دون أن يترتّب عنها أيّ نتيجة:
التقينا بالوالي ثلاث مرّات، وفي كلّ مرّة كان يَعِدُنا بأشياء، لكنّه كان يكذب علينا. […] كمثالٍ على ذلك، لقاء المواجهة بين خبرائنا (من القرى) وخبراء من الجزائر العاصمة وجامعة بجاية. كنّا واثقين، لكنّهم لم يدعونا63.
يشكّل إنشاء «لجنة خبراء جامعة بجاية» استراتيجية بحدّ ذاتها من استراتيجيات المراوغة والالتفاف من قِبل السلطات. وتتبع هذه اللجنة الجامعية مباشرةً لوزارة المناجم والطاقة. وهي، وإن قُدِّمَت باعتبارها مستقلّة ومحايدة، تشكّل في الواقع وسيلة أخرى لتبرير الاستغلال المنجمي وإقناع الرأي العام، مع توفير غطاء علمي موجَّه إلى السكان المحلّيين والجزائريين عمومًا.
وتُستخدَم هذه اللجنة كرافعة لممارسات أخرى تنتهجها الدولة، والتي ترتبط بها عضويًا. وقد شاركت بفعالية في أشغال مؤتمر وطني بعنوان «ندرة الموارد المنجمية وموقع الجزائر: دور مكمن الزنك-الرصاص بتالا حمزة-وادي أميزور»، نُظِّم بجامعة عبد الرحمان ميرة ببجاية في 4 أكتوبر 2023، وحضره ما لا يقلّ عن أربعة وزراء وممثّلين عن الوزارات، إضافة إلى جميع المنتخَبين المحليين64.
ولم يكن ممكنًا إلّا ملاحظة غياب ممثّلي لجان القرى، ما دفع القرويّين إلى تنظيم عمل احتجاجي. وهكذا عُقد «لقاء مواطني آيت بوزيد» في 13 أكتوبر 2023 بقريتهم. و«البيان» الصادر عن هذا اللقاء، الموقّع من سبعة وثمانين مواطنًا، يستنكر إقصاء صوت المعنيّين الأوائل، ويحمّل «وحدهم المسؤولية... [أصحاب] المشروع، [والمنتخَبين]، [واللجنة] العلمية للجامعة، [والسلطات] المحلّية... عن الكوارث البيئية والصحية التي قد تصيب [منطقتهم]».
ويُكثِر أعضاء لجنة خبراء جامعة بجاية من التصريحات التلفزيونية، حتى وإن استلزم الأمر التنكّر لأعمالهم هم أنفسهم. فعيسى موهوبي، المتحدّث باسم اللجنة ورئيسها، اقتصادي متخصّص في مجال المحروقات، وكان قد كتب عام 200665 أنّ «…الاستغلال المتزايد بلا حدود للمحروقات، المصدر الرئيسي للطاقة المستهلَكة، قد يكون مضرًّا باستدامة هذه التنمية نفسها، وبالضرورة بالرفاه الاجتماعي»، وأنّ «…صنّاع القرار يسعون إلى تعظيم إنتاج المحروقات عبر تسليمه لشركات أجنبية أثبتَت “نَهَمها” عبر التاريخ». وفي عام 2023، تبنّى الشخص نفسه موقفًا معاكسًا بخصوص استغلال المناجم، متراجعًا عن حججه لعام 2006 بشأن «الاستدامة»، و«الرفاه الاجتماعي»، و«نَهَم» الشركات الأجنبية. وفي التدخّلات العديدة التي تمنحه إياها وسائل الإعلام الجزائرية، لا يذكر موهوبي سوى المنافع الناجمة عن استغلال المعادن، متّخذًا من النموذج الصيني مثالًا. ويقول: «المناجم ومشاريع المناجم [المُدرَجة] في أجندة السياسة الاقتصادية الجديدة هي وسائل لغزو الأسواق بروح صانع القرار». فماذا عن السكان والتنمية المستدامة، اللذيْن لم يعودا سوى كلمات فارغة من المعنى؟66
وعلى نحو مماثل، يرى مسعود حوفاني، الخبير الجيولوجي بوزارة المناجم، أنّه «من المرجَّح ألّا تكون هناك طبقة مائية جوفية». في حين يرى موهوبي أنّه لا وجود لـ«انتقال طاقي». ويذكّر هذا الأخير، مُتلاعبًا بالألفاظ، بأنّ العالم لم يعرف سوى «إضافات طاقيّة»، وأنّ الشمس أو الريح هما في الواقع «مصادر طاقة»، في حين أنّ المعادن هي «وسائل لإنتاج الطاقة». ويخلص موهوبي إلى ضرورة استغلال المنجم، متجاوزًا بحركة يد التغيّرات المناخية والمخاطر البيئية على السكان والأقاليم، وكذلك «نَهَم» الشركات الأجنبية.67
ويتجلّى غموض موقف الدولة أيضًا من خلال المسكوت عنه والمصرَّح به، ويمتدّ على مرحلتيْن سياسيّتيْن: مرحلة عبد العزيز بوتفليقة (1999-2019)، ومرحلة خليفته عبد المجيد تبّون (2019-إلى اليوم). ففي عام 2006، بادرت وزارة الطاقة، في عهد شكيب خليل (1999-2010)، بإطلاق المرحلة الأولى مع ‘تيرامين’. وفي عام 2023، صادقت الوزارة نفسها، في عهد محمد عرقاب (2019-2020 ومن جديد منذ 2021)، على الاتفاقات ومنحت ‘تيرامين’ حقّ الاستغلال (2003). وهكذا تسير استمرارية السياسة المنجمية في الاتجاه الذي رسمته الدولة الجزائرية. فمن بوتفليقة إلى تبّون، ظلّ الخطّ التوجيهي واحدًا، رغم أنّ الثاني يبدو وكأنّه يستأثر بفضل التنمية الصناعية المنجمية. وكما يُشير تقرير جمعية ‘تالسا’،68 أصبح مشروع منجم تالة حمزة-وادي أميزور مشروعًا «تابعًا للرئاسة»، على غرار سائر مشاريع المناجم الأخرى. وهذا يعني أنّ قدرة الجمعيات المحلّية محدودة للغاية، وأنّ أيّ موقف نقدي من المنجم (أو المناجم) سيُقابَل بالقمع.
حُدِّد شهر مارس 2026 موعدًا نهائيًا لانطلاق نشاط المنجم، ما كثّف من وتيرة القمع، ولا سيما منذ نهاية فيفري 2026. ولإعطاء مثال واحد فقط، ففي اللحظة التي نراجع فيها هذا النصّ، في مارس 2026، استُدعِيَ أربعة مندوبين عن لجنة قرية آيت بوزيد واستُجوِبوا من قِبل درك مدينة بجاية. ويتّهمهم وكيل الجمهورية بعرقلة مشروع للدولة، وقد طلب مذكّرة إيداع لسجنهم.69 وقد استأنفوا الحكم وهم الآن تحت الرقابة القضائية بانتظار محاكمتهم، المقرّرة في 24 مارس 2026، أي بعد التدشين الرسمي للمنجم. وهؤلاء الأشخاص هم في الواقع مندوبون عن لجنة قرية آيت بوزيد، وقد جرى تجريمهم إثر شكوى من رئيس بلدية تالة حمزة ومن شركة ‘تيرامين’ نفسها. كما استُهدِف الاقتصادي جلول سلامة،70 بعد أن أبدى رأيه على شاشة التلفزيون بشأن إنتاج منجم الحديد بغار جبيلات. ومع أنّ سلامة لم يعارض مشروع المنجم علانية، فإنّه تحدّث، مستندًا إلى أرقام، عن قدرات تحويل هذا الخام في الجزائر وعن ربحية المشروع على المدى القصير. وعقب بثّ الحصّة، اختفى هذا الخبير لعدّة أيام قبل أن يُقدَّم للعدالة. ولم تُنشَر منذ ذلك الحين أيّ معلومة موثوقة بشأنه.
Fourate Chahal El Rekaby
التفاوت 3: النهج القمعي والعقاب السلطوي
يبدو مشروع منجم تالة حمزة-وادي أميزور غير قابل للإيقاف. فأساليب الإسكات «الناعمة» للمطالب، وإبعاد السكان والجمعيات عبر إعاقة التواصل، وغياب الاعتراف بمشروعية آرائهم وأفعالهم، تترافق مع تدابير قمعية متنوّعة. وتستند هذه االإدارة «الليّنة»، كما يبيّنه عدم تدخّل الدرك أمام احتجاج القرويين، وتنبع من العلاقة الملتبسة بالقانون ومن قابلية القمع للتمدّد، كما سنبيّن في الفقرات التالية.
تشكّل قضية المناجم رهانًا قانونيًا بحدّ ذاتها. فالجمعيات تستند إلى القانون لصياغة مواقفها، مستشهدةً بنصوص قوانين مختلفة، أو مستخدمةً صيغًا من قبيل «قوانين الجمهورية». غير أنّ هذا اللجوء إلى القانون ودولة القانون يصطدم بـ(اختلال) الوظيفة الفعلي للإدارة وبالممارسات السياسية الرادعة. فالقانون يصبح قابلًا للتمدّد وللتراجع. وهو تارةً يأخذ البيئة بعين الاعتبار، وتارةً أخرى يجعلها قابلة للتطويع بما يتلاءم مع قانون المناجم. أو أنّه يُطبِّق نسبة 49% للحصص الأجنبية، لكنّه يفتح المجال لتمديد هذه الحصص إلى 80%.
ويصعب رصد لعبة الإزاحة وقابلية الانعكاس هذه. فهي مبعثَرة وغامضة، من جهة، بفعل الآلة الإعلامية الضخمة لدولة حاضرة في كلّ مكان وممثّليها (الوالي، الوزير، الرئيس، الأساتذة الجامعيون، الخبراء، الصحفيون)، الذين يُنظَر إليهم على أنّهم يملكون سلطة أو حقّ أولوية على حياة السكان باسم دولة يُفترَض أنّها حامية وأبويّة، في حين أنّها تتصرّف ضدّ سكانها. ومن هذا المنطلق، فإنّ الدولة نفسها هي من تنزع ملكية السكان على أراضيهم. ويُشبِه هذا التجريد «التراكم عبر نزع الملكية» الذي حلّله ديفيد هارفي (2004).71 فالدولة الجزائرية، لا شركة ‘تيرامين’، هي التي تنزع ملكية السكان على أراضيهم مقابل تعويضات. ويتمثل هذا التجريد في تركيز رأس المال بين أيدٍ معيّنة (الدولة هنا)، كما أنه ــ وهو ما يهمّنا أكثر ــ يستند إلى دورة متواصلة وأحادية الاتجاه من استنزاف الموارد. فالمحروقات أولًا، ثم المناجم، وأخيرًا، وفي الوقت نفسه، المياه.72
أمّا وِفق التصور الحكومي، المضخَّم بواسطة الصحافة المكتوبة والإلكترونية، فإن استغلال المناجم يمثّل نوعًا من العلاج الشامل الذي سيُخرج الجزائر من تبعيتها للسوق الدولية ومن الارتهان لقيمة المعادن، متجاهلًا أنّ سوق المعادن تتكوّن من منافذ حصرية وإقصائية،73 وأنّ قواعدها محدّدة سلفًا من قبل الشركات متعدّدة الجنسيات.74 كما يت يتجاهل هذا التصور واقع سلسلة إنتاج المعدن المستخرَج والموجَّه إلى التصدير في حالته الخام أو «المعالَجة»، بسبب غياب البُنى التحتية الخاصة بالتحويل الصناعي. وتُظهر الدراسات المتعلّقة بالتصنيع الصعوبات التي تواجهها الجزائر في التحكّم في اقتصادها،75 وفي تحقيق حدّ أدنى من الاندماج الاقتصادي الناجح. ويخلق الاستخدام الإيديولوجي لتسمية «مصنع معالجة الخام» التباسًا، إذ يُوحي بأنّ الجزائر انتقلت إلى مرحلة جديدة من خلال امتلاك سيطرة أكبر على موادها الأوّلية، وبأنّها أصبحت بالفعل أحد الفاعلين العالميين في هذا المجال. فتسمية «مصنع معالجة الخام» لا تعني إطلاقًا «مصنع تحويل»؛ فالأولى تقتصر على فصل المادة المعدنية عن الشوائب المحيطة بها للوصول إلى مادة نصف خام، في حين يتيح الثاني الحصول على مادة نقية جاهزة للدخول في السبائك وفي مختلف المنتجات الصناعية الأخرى .
فالمعالجة لا تعني التحويل، ومن هذا الانزياح في المعنى ينشأ الالتباس. ومن المفارقات أنّ التحكم في الاقتصاد الوطني الجزائري يجري عبر الاستثمارات الأجنبية المباشرة (IDE)،76 بما يتيح للشركات متعدّدة الجنسيات التدخل في الاقتصاد الجزائري وإعادة تشكيله على المدى الطويل. فأين هي إذن «السيادة الوطنية»؟
وتعتمد الدولة أسلوب المراوغة (إذ توحي بأنها تتحاور مع السكّان) في الوقت الذي تمضي فيه بنهجها القمعي. فـ«الاستشارة» مع السكان ليست سوى وسيلة للتعرّف عليهم تمهيدًا لمضايقتهم وتهديدهم ومعاقبتهم. وهكذا، فقد خضعت «المسيرة الشعبية» التي نظّمتها الجمعيات عام 2023 في موقع المنجم لمراقبة دقيقة واحتواء مُحكَم. وقد أُقيمت أربعة حواجز أمنية، كما جرى، بحسب سكان المنطقة، إيقاف «أشخاص قادمين من مناطق أخرى» في بجاية ومنعهم من المشاركة. ويروي أحد الشهود على عين المكان:
كان معنا عناصر من أجهزة الأمن بملابس مدنية، إلى جانب الشرطة والدرَك. وقد حاول بعضهم انتزاع الكاميرا من أحد المواطنين الذي كان معنا. وهناك بدأوا في تخويف الناس. كما أرادوا انتزاع بطاقة الذاكرة الخاصة بصحفية إذاعة ‘آم’. أما صحفي قناة ‘بربر تيليفيزيون’ فقد أصابه الخوف وفرّ من المكان.
وكما أشرنا سابقًا، فإنّ قادة الجمعيات يستندون في مواقفهم إلى النصوص القانونية التي يبنون عليها خطابهم. غير أنهم، في محاولتهم حماية فضاءات العيش والسكان، يواجهون ممارسات خنق وتكميم، ويتعرضون للتهديد والمضايقة. ومن بينهم كمال عيسات، أستاذ علم الأحياء الدقيقة والناشط المقيم في إحدى القرى القريبة من المنجم، الذي وقع تتبّعه في 6 جوان 2023 استنادًا إلى الفصل 96 مكرر من القانون عدد 20-06 المؤرخ في 28 أفريل 2020 من المجلة الجزائية، قبل أن يُحاكَم بتهمة نشر وترويج «معلومات كاذبة وافترائية من شأنها المساس بالأمن أو النظام العام». وقد أثارت محاكمته صدًى واسعًا في وسائل الإعلام الإلكترونية، على الصعيدَيْن الوطني والدولي. وقد أكّدت محكمة استئناف بجاية البراءة النهائية في 5 ماي 2024.
كما يجري توظيف القضاء من قِبَل ممثّلي المنجم لبثّ الخوف وترهيب القرويّين المعارضين للمشروع. ووفقًا للشهادات، عندما أقام السكان حاجزًا لمنع صعود الجرافات إلى موقع المنجم، لجأت المديرة الجزائرية للمنجم، في ربيع 2025، إلى عدلٍ منفذ. وقد واجهها سكان القرى مباشرة، بحضور عناصر من الدَرك الذين لم يتدخلوا لأنّ الأمر «يتعلّق بملكيات خاصة» حسب قولهم. وتمتلك القرى الخمس المعنيّة ــ آيت بوزيد، إيبزغيشن، إيبيتوتن، آث عياض وأيمون ــ لجانًا قرويّة. ويشرح أحد أعضاء هذه اللجان:
نحن نتشاور باستمرار، لأننا جميعًا معنيّون بهذه المشكلة. وفي كلّ مكان يمرّون فيه (عمّال الآليات التابعة للمنجم)، يجدوننا في الموقع لمنعهم من التقدّم. وقد قالت لنا مديرة المشروع إنّها تريد فقط مواصلة إنجاز أربعة ثقوب استكشافية، لكن السكان لم يقبلوا بذلك.
ورغم معارضتهم للمشروع، يشهد السكان الذين جرَت مقابلتهم على القمع وعلى صعوبة اتخاذ موقفٍ معارض للمنجم. ويقول أحدهم إنّ «الخوف [قد] دخل إلى البيوت […]. والآن،77 نجحت الحكومة في إخافة الناس. فهم يتراجعون عن حقوقهم. بل يتراجعون أمام بيوتهم نفسها». كما أنّ بعض الجمعيات لم تعد تشارك في الاجتماعات «لأنّها خائفة». كذلك أصبحت أنشطة المؤثّرين في الرأي العام مُستهدَفة هي الأخرى. ويروي أحد القرويين وأحد الناشطين ما يلي:
لقد اتصلنا حتى بشخص يدير صفحة [فيسبوك] مؤثّرة في بجاية. وقد أخبرَنا أنّه سيستخدم طائرة مسيّرة لإنجاز وثائقي عن المنطقة ورواية كل ما يحدث فيها، لكنه لم يأتِ أبدًا. وبعد بضعة أيام، أخبَرنا أنه تلقّى تحذيرات من أجهزة الأمن. وقد أُبلِغ بأنّه إذا تحدّث عن المشروع، فسوف يُلفَّق له ملفّ قضائي. هو من قال ذلك بنفسه. فإذا كان يكذب، فنحن نكذب معه.
نجحت الدولة في إضعاف الاحتجاج من خلال إدارة أمنية أكثر تكتّمًا وأقل مواجهة مباشرة، مقارنةً بتدخلات قوات الأمن في النزاعات السابقة التي شهدتها المنطقة (1995، 2000، 2001، 2011).78 غير أنّ الأساليب المستخدمة، وإن كانت أقلّ عنفًا، فإنهّا لا تقلّ إكراهًا. فالدولة تنشرُ بالتوازي جهازها القضائي بأبعاده السيادية والقمعية والبرلمانية. وتساعد هذه الممارسات على فهم الكيفيّة التي أصبح بها القمع الجسدي والبوليسي في خدمة «القانون» وقواعد القانون، التي تستند إلى جهاز أكثر صمتًا وتجريمًا وردعًا.
ففي الواقع، يُحدث قانون المناجم، الذي صادق عليه البرلمان في 3 أوت 2025، انزياحيْن أساسيّيْن: أوّلهما أنّ المرسوم الصادر عام 2023 والقاضي بإلغاء تطبيق الاتفاقية الدولية للمناطق الرطبة (رامسار)، التي كانت تحمي وادي الصومام، أصبح يصف استغلال المنجم بأنه ذو «منفعة عامة».79 ويتجاوز هذا المرسوم النقاش البرلماني والاستشارة الفعلية للسكان. أما الانزياح الثاني، فيتمثّل في أنّ قانون المناجم أصبح يسمح للشركات الأجنبية بامتلاك 80% من رأس المال،80 في حين أنّه لم يكن ممكنًا أن تتجاوز حصصها، في السابق، الـ49%.81 وتُعزّز هذه الانزياحات التصور الأداتي للقانون، بوصفه شيئًا قابلًا للتغيير والتطويع، بما يضع مبدأ «السيادة» نفسه على المحكّ.
وفي الوقت نفسه، يُستدعى خطاب «الحفاظ على السيادة الوطنية»82 لتبرير المشاريع المنجمية، ومن بينها مشروع منجم تالة حمزة-وادي أميزور. وتُطبَّق السياسات النيوليبرالية عمليًا، إذ تُتيح الانسحاب شبه الكامل للسلطة العمومية من القطاعات المصنّفة «استراتيجية»،83 وكذلك منح سندات الملكية للشركات الأجنبية.84
الخاتمة
لا يمثّل قانون المناجم سوى حالة من بين حالات أخرى تشهد على الكيفيّة التي تُثمِّن بها الدولة الجزائرية الاستغلال المنجمي على حساب السكان والبيئة. ويشهد على ذلك ما تشهده الجزائر من مراقبة وقمع أمنيّيْن، وإسكات للسكان، وملاحقات قضائية، وتلاعبات قانونية وسياسية، وتجريد للسكان من أراضيهم. فقد تحوّل المشروع المنجمي، عبر انحرافات ماكرة وسلطوية، إلى «مشروع ذي منفعة عامة».
ففي الواقع، واجهت الجمعيات الأهلية صعوبة في إيجاد قنوات للتواصل، لأن هذه القنوات قليلة جدًا أصلًا. كما تعاني المنطقة التي يشملها المنجم من البطالة ومن ضعف فرص التشغيل، ويصعب إثارة المسألة البيئية «عندما نكون فقراء»، كما يقرّ بذلك قادة الجمعيات أنفسهم. وقد أدى غياب سياسة زراعية مندمجة إلى تفكيك النسيج الإنتاجي المحلي، وإلى تثبيط المبادرات الفردية الصغيرة، وإلى ظهور مناطق شبه ريفية لا تتمتع بخصائص اقتصادية محدّدة أو مهيمنة، أو تفتقر إلى الاندماج الاقتصادي. وإضافة إلى ذلك، فقد أصبح هذا القمع ممكنًا لأنّ هذه المنطقة، التي تمتلك شبكة نضالية ذات خبرة، شهدت عملية إسكات على مراحل أو متدرّجة منذ حراك عام 2019، أي حركة الاحتجاج الشعبي واسعة النطاق التي عمّت كامل الجزائر وشكّلت جرس إنذار سياسي غير مسبوق بالنسبة للنظام السياسي القائم.
وقد بدأت عملية الإسكات هذه من خلال ربط كل أشكال الاحتجاج في المنطقة بـ«الحركة القبائلية من أجل الحكم الذاتي» (MAK)، التي اعتُبرت مساسًا إجراميًا بالوحدة الوطنية. ومن هذه الزاوية، شكّلت هذه الحركة مشكلة وعائقًا أمام مطالب الجمعيات. إثر ذلك، أدّى نزع المصداقية عن خطاب الجمعيات البيئية في موقع جغرافي مصنّف باعتباره «ذا أهمية عالمية» إلى إضعاف الأصوات الأخرى التي كان يمكن أن ترتفع ضد مشاريع مماثلة في الجزائر.
ويطرح المشروع المنجمي أيضًا مسألة التراث المادي (القرى التاريخية) والتراث اللامادي، وهي مسألة التزمت السلطات الصمت حيالها، في حين أثارها السكان والجمعيات. ويتعلق الأمر بمقابر شهداء حرب الاستقلال و«مقابر الأجداد» الواقعة داخل نطاق المنجم. فكيف يمكن التوفيق بين تبرير المشروع باسم «السيادة الوطنية» وبين التنكّر لأولئك الذين ضحّوا بحياتهم من أجل الوطن، والذين ما زالوا مُهمَلين وغير مُكرَّمين؟
وأخيرًا، فإن «المنعطف المنجمي» ليس في الواقع سوى شكل جديد من الاستخراجية ومن «التبعيّة للمسار»،85 أي استمرارًا للأشكال نفسها من الإنتاج والتكيّف التي تعتمدها البلدان التابعة إزاء «الطلب العالمي» الجديد (باستعمال التعبير نفسه الذي يستخدمه مسؤولو المشروع). ولا يترك هذا أي مجال للتفكير في بدائل أخرى، ولا للبحث عن أنماط إنتاج سيادية وعادلة وبيئية، تأخذ بعين الاعتبار أشكال اللامساواة المستمرة، وتقوم على سياسات تضامنية غير افتراسية وغير زبونية.