السياسة الصناعية من أسفل استعادة التصنيع كأجندة تحررية في إندونيسيا وخارجها

يعيد التصنيع المعاصر في الجنوب العالمي -بما في ذلك سياسة تعزيز صناعة المعادن في أطوارها النهائية والانتقال الأخضر في إندونيسيا- إنتاج التبعية والتوجه الاستخراجي الأخضر في ظل أزمات بيئية ولامساواة. يطرح هذا المقال السياسة الصناعية من أسفل بوصفها إطارًا مضادًا للهيمنة، ويعيد تعريف الصناعة باعتبارها القدرة الجماعية على إنتاج وإعادة إنتاج الحياة، بدلًا من كونها نموذجًا ضيقًا للتراكم متمركزًا حول النمو.

واستنادًا إلى الاقتصاد السياسي ونظرية التبعية والنقد النسوي للتصنيع، وبالاستفادة من النقاشات القاعدية التي جرت في حوار باتانج 2025، يذهب المقال إلى أن الإصلاح الزراعي والسيطرة العمالية-المجتمعية والتحول الديمقراطي في الدولة، أمور أساسية لاستعادة التصنيع كمشروعٍ مفككٍ للاستعمار ومتمحورٍ حول الحياة.

Longread de

Illustration by Agah Nugraha Muharam

Illustration by Agah Nugraha Muharam

في سياق أزمة عالمية متصاعدة، تتجلى في التدهور المناخي وفقدان التنوع البيئي واللامساواة الاجتماعية والاقتصادية وعودة السلطوية وتنامي التوترات الجيوسياسية،1 تكشفت بشكل متزايد حدود نموذج التنمية الصناعية الحديث. فلعقود كان يُنظر للتصنيع كرمز للتقدم، لكنه في الممارسة العملية اعتمد في معظم الأحوال على استغلال الموارد الطبيعية والدمار البيئي وإدامة اللامساواة العالمية بين الشمال والجنوب.2

في السنوات الأخيرة، اكتسب الخطاب المتعلق بالسياسات الصناعية أهمية متجددة في الكثير من البلدان بعد عقود من هيمنة الأرثوذكسية النيوليبرالية وفشلها في تحقيق رخاء شامل أو استقرار اجتماعي أو استدامة بيئية. فبدأ الكثير من البلدان في الجنوب العالمي، من بينها إندونيسيا، تعيد التفكير في دور الدولة في التنمية الصناعية استجابةً لحالة التبعية والهشاشة البنيوية في الاقتصاد العالمي. غير أن عودة السياسات الصناعية بقيادة الدولة كثيرًا ما أدت إلى تعزيز النزعات السلطوية، وأعادت إنتاج الأنماط المتمحورة حول النمو التي تتجاهل العدالة الاجتماعية والبيئية.

كما تشير عدة دراسات عالمية حديثة، جرى تطبيق السياسات الصناعية بشكل متفاوت عبر الاقتصاد العالمي؛ إذ لا تزال كل من القدرة على انتهاج سياسات صناعية تحويلية والكيفية التي يجري بها تطبيق هذه السياسات خاضعتين بدرجة عميقة للبنية التراتبية النقدية والمالية العالمية وللاندماج في سلاسل الإمداد العالمية وللموقع الجيوسياسي. وتختلف وتيرة تبني البلدان المتقدمة والأقل نموًا للسياسات الصناعية بشدة، حيث تتمتع الاقتصادات المتقدمة بوضع أفضل يمكّنها من الاستفادة من فترة التغيرات المضطربة الحالية.

إن التحولات الاقتصادية العالمية -مثل اضطرابات سلاسل الإمداد والمنافسة بين الولايات المتحدة والصين والدفع نحو "الصناعات الخضراء"- لم تُحدث تحولات جوهرية في النموذج السائد. فالاقتصاد الأخضر يعيد إلى حد كبير إنتاج نفس منطق التراكم الرأسمالي والتسليع والأمولة لكل شيء بما في ذلك الطبيعة نفسها، بدلًا من أن يمثل قطيعة معه. ونتيجة لهذا، ممارسات مثل الاستعمار الأخضر والتوجه الاستخراجي الانتقالي للمعادن زادت من القيود على بلدان الجنوب العالمي حيث تؤدي عمليات استخراج المعادن الإستراتيجية إلى تكثيف التدمير البيئي واستغلال العمالة (Hamouchene & Sandwell, 2023). وقد غذى هذا صعود التوجهات القومية في ما يتعلق بالموارد في معظم البلدان النامية الغنية بالمعادن في الجنوب العالمي مدفوعةً بأجندات الدولة لدى النخب الوطنية الساعية لاستخراج المزيد من القيمة وبسط قدر أكبر من السيطرة على مواردها الطبيعية (Warburton, 2018). وفي جنوب شرق آسيا، أصبحت الخطابات المتعلقة بالسياسات الصناعية والسياسة الصناعية3 متشابكة على نحو متزايد مع النضالات ضد التوجه الاستخراجي واللامساواة الرقمية وتقلص المجال الديمقراطي.

في هذا السياق٬ شعر العديد من النشطاء والباحثين بالحاجة لتحويل المنظور من السياسات الصناعية السائدة (التي تركز على النمو الاقتصادي والتوجه للسوق) إلى السياسة الصناعية من أسفل، وهذا جهد يُبذل لإعادة تخيل سياسة الإنتاج وإعادة الإنتاج بطريقة أكثر عدالة وديمقراطية وبيئية. تضع هذه المقاربة المجتمعات والعمال والجماعات المتأثرة في موقع الفاعلين الأساسيين في تشكيل مسارات التنمية لا مجرد موضوعات تُطبَّق عليها سياسات السوق أو الدولة.

استلهامًا لهذه الروح، قامت مجموعة العمل العالمية المعنية بما بعد التنمية (BDGWG)4 بالتعاون مع نشطاء إندونيسيين قادمين من طيف واسع من المنظمات الشعبية ومنها وحدة النضال الشعبي (KPR) ومؤتمر تحالف النقابات العمالية بإندونيسيا (KASBI) وتحالف الشعوب الأصلية في نُسنطرة (AMAN) واتحاد طلاب إندونيسيا (SMI) واتحاد الطلاب التقدمي (SEMPRO)5 بتنظيم الاجتماع العالمي حول السياسة الصناعية الجديدة في باتانج بجاوة الوسطى في الفترة من 7 إلى 11 سبتمبر/أيلول 2025. شكل هذا الاجتماع مساحة للتفكير الجماعي والتبادل العابر للقطاعات والقارات، ووفر أيضًا منصة لصياغة الاستراتيجيات وإعادة تصور اتجاه التصنيع بطريقة تفكك الاستعمار وتكون عادلة اجتماعيًا وتحافظ على الحياة، لا طريقة خاضعة لمنطق النمو اللامتناهي وتراكم رأس المال.

لا ينبغي فهم حوار باتانج كمجرد اجتماع أو مصدر للاقتباسات، وإنما كشكل من أشكال إنتاج المعرفة السياسية الجماعي. فقد جمع عمالا وفلاحين وسكانا أصليين وطلابا ونسويات ونشطاء بيئيين وباحثين من سياقات إقليمية ووطنية متنوعة (منهم مشاركين من أمريكا اللاتينية وإفريقيا وأمريكا الشمالية وشرق آسيا وجنوب شرق آسيا) ضمن عملية أفقية من الحوار والتحليل. وبدلا من إنتاج توصيات يقودها الخبراء، أنتج حوار باتانج معرفةً من خلال التأمل الجماعي والخبرات التي ينظر إليها في سياقاتها والتبادل بين الحركات عبر القارات المختلفة، وبذلك أسس رؤاه التحليلية في منظورات عابرة للحدود الوطنية من الجنوب العالمي وخارجه وجسد مبادئ السياسة الصناعية من أسفل التي يسعى هذا المقال للتنظير لها. وبالبناء على النقاشات والتأملات الجماعية التي شهدها الاجتماع، يسعى هذا المقال إلى استكشاف الاتجاهات البارزة في التصنيع في إندونيسيا وغيرها من البلاد في الجنوب العالمي. فالرؤى التي تبلورت في باتانج تمثل الأساس الأولي لإعادة تفسير النظريات والممارسات المعاصرة في التصنيع في كل من إندونيسيا والجنوب العالمي.

يطرح هذا المقال أنه من أجل الاستجابة للأزمات متعددة الأبعاد في زمننا الحالي (الانهيار البيئي واتساع اللامساواة والتدهور الديمقراطي وتكثيف التنافس الجيوسياسي والعسكرة وصعود الفاشية الجديدة وتعميق التبعية البنيوية للجنوب العالمي6 في البني التراتبية التكنولوجية والمالية والتجارية العالمية غير المتكافئة)، لا بد من استعادة التصنيع كمشروع تحرري لا كأداة للنمو الاستخراجي. السياسة الصناعية من أسفل تشير إلى القوة الجماعية للعمال والفلاحين والشعوب الأصلية والنساء والحركات البيئية الهادفة لإعادة تشكيل كيف يتم تنظيم الإنتاج ولصالح من وتحت أي شروط. وتسعى إلى إعادة تعريف الصناعة ليس كمجال للتحديث كثيف رأس المال، وإنما باعتبارها القدرة الاجتماعية على إنتاج وإعادة إنتاج الحياة. وعن طريق نقل مركز التحول الصناعي من العلاقة بين الدولة والشركات إلى الذات الجماعية الشعبية، يؤكد هذا المقال أن التصنيع يمكن أن يصبح مسارًا نحو الاستقلالية التي تحافظ على الحياة والسيطرة الديمقراطية والعدالة البيئية واستعادة السيادة الشعبية.

السياق التاريخي للتصنيع في الجنوب العالمي وتأملات عن إندونيسيا

لا يمكن فصل مسار التصنيع في الجنوب العالمي عن الإرث التاريخي للاستعمار والتبعية والتقسيم الدولي للعمل شديد الظلم الذي تشكل في النظام العالمي الرأسمالي. فمن إفريقيا إلى آسيا وأمريكا اللاتينية ما تشكل تحت الحكم الاستعماري والإمبريالي لم يكن تصنيعًا مستقلًا، وإنما أشكال من الإنتاج مفروضة من الخارج وتابعة بشكل بنيوي بما في ذلك الجيوب الاستخراجية والأنشطة الصناعية كثيفة العمالة والمحدودة التي جرى دمجها في سلاسل السلع العالمية على نحو كرس مواقعها الطرفية. في إطار نظرية الأنظمة العالمية (Wallerstein, 1974)، عملت هذه الأشكال التابعة والخاضعة من التصنيع على إعادة إنتاج التقسيم التراتبي للعمل الذي وضع المستعمرات السابقة أساسًا في موقع مُوردي المواد الخام وصناع المنتجات منخفضة القيمة والعمالة الرخيصة لاقتصادات المركز.

نمط التبعية واضح بشكل خاص في إفريقيا. فكما أشار إبراهيما ثيام (وهو ناشط في العدالة المناخية من السنغال)، فإن الميراث الاستعماري قد شكل أساسًا متشظيًا وغير متكافئ للتصنيع. ورثت الدول الإفريقية بعد الاستقلال مصانعًا موجَّهة للتصدير ومصمَّمة لخدمة أسواق المدن الكبرى أكثر من احتياجات شعوبها. وهكذا بقت جهود التصنيع بعد انتهاء الاستعمار واقعة تحت تأثير نفوذ مؤسسات بريتون وودز ونظرية التحديث، وكلتاهما روجتا لنموذج للتنمية لا يمس بُنى ملكية الأرض أو علاقات الإنتاج (Batang Dialogue, 2025). يصف سمير أمين (1976) هذا الوضع بمصطلح التراكم الطرفي: أي عملية نمو اقتصادي مفصولة عن القاعدة الاجتماعية المحلية ومعتمدة على تصدير المواد الخام وخاضعة للتكنولوجيا ورأس المال القادمين من الخارج.

يتجلى فخ مماثل من الارتهان لمنطق التبعية في الهند التي شهدت مرحلتين متناقضتين من التصنيع بعد الاستعمار. في المرحلة الأولى تحت قيادة نهرو منذ خمسينيات القرن العشرين، أولت الحكومة الأولوية لتنمية الصناعات الثقيلة وهيئات القطاع العام (Industrial Policy Resolution, 1956; Kesar & Bhattacharya, 2020). غير أن الإصلاحات الزراعية المستحدثة في خمسينيات وستينيات القرن العشرين ظلت محدودة في نطاقها وكان تطبيقها غير متكافئ، وهو ما أبقى البنى الإقطاعية متماسكة إلى حد كبير وقيد إمكانيات التصنيع لصالح الفلاحين الصغار والعمال في القطاع غير الرسمي (Kesar, 2023; Bhattacharya & Kesar, 2020). أما المرحلة الثانية التي بدأت مع تحرير الاقتصاد في تسعينيات القرن العشرين، فقد عمقت اندماج الهند في الأسواق العالمية وتوسعت في الخصخصة وفتحت قطاعات مختلفة أمام الاستثمار الأجنبي، لكن هذه الإصلاحات لم تتجاوز الازدواجية البنيوية بشكل كامل ولم تغير موقع الفاعلين الطرفيين في النظام الصناعي (Kesar, 2023). وكما يوضح  دينيش أبرول (Batang Dialogue, 2025)، فإن خبرة الهند تبين أن كُلاًّ من التصنيع القومي والنيوليبرالية قد أفضيا إلى تهميش المجتمعات الريفية وتوسيع اللامساواة وإنتاج أشكال جديدة من العنف البنيوي.

في الوقت نفسه، شهدت أمريكا اللاتينية تطبيق إستراتيجية التصنيع عبر إحلال الواردات بين أربعينيات وسبعينيات القرن العشرين والتي جرى الترويج لها في البداية كمسار نحو الاكتفاء الذاتي من التصنيع من خلال الحماية الجمركية وتدخل الدولة. غير أنه كما طرح اقتصاديون سياسيون معاصرون فإن سياسات التصنيع عبر إحلال الواردات فشلت في معظم الأحوال في تحقيق استقلال حقيقي لأنها بقت معتمدة بشكل بنيوي على التكنولوجيا والسلع الرأسمالية القادمة من الشمال العالمي (Chang, 2002; Cypher, 2021). وقد أكد آلان كارمونا من المكسيك أن إستراتيجية التصنيع عبر إحلال الواردات بالأساس "بنت صناعة وطنية دون أن تتحدى المنطق الاستعماري للاقتصاد العالمي". وخلقت طبقة صناعية وطنية جديدة معتمدة على التكنولوجيا المستوردة واستهلاك الطبقة الوسطى الحضرية، بينما استمرت القطاعات الزراعية والمجتمعات الأصلية في حالة التهميش (Batang Dialogue, 2025).

فشلت إستراتيجية التصنيع عبر إحلال الواردات وتلتها موجة من الإصلاحات النيوليبرالية في ثمانينيات القرن العشرين، وهو ما مهد الطريق لاحقًا لظهور حكومات تقدمية في بداية الألفية الثالثة سعت لتقديم مسار بديل. غير أن هذه المشروعات -كما لاحظ دانيال شافيز من الأوروجواي- "لم تنفصل حقًا عن النموذج الاستخراجي وإنما أحلت وجهًا أكثر قومية محله". عززت الدولة سيطرتها على القطاعات الإستراتيجية مثل النفط والغاز والتعدين، لكن منطق التراكم الكامن خلف توجهها ظل على حاله: اقتصاد قائم على تصدير المنتجات الخام واستمرار الاعتماد على الأسواق العالمية (Batang Dialogue, 2025). مريام لانج من الإكوادور/ألمانيا لاحظت أيضًا أن ظاهرة التوجه الاستخراجي الجديد في ظل حكومات تقدمية في بوليفيا وفنزويلا والإكوادور كشفت عن مفارقة لافتة: "الدولة استخدمت خطابًا قائمًا على إعادة التوزيع والتنمية الاجتماعية، لكنها استمرت في معاملة الطبيعة والسلع المحلية كمناطق للتضحية".

وعليه، لا يمكن فهم مسار التصنيع في أمريكا اللاتينية على مدار القرن الماضي كعملية خطية أو متجانسة. فبينما يمثل الاستعمار والتوجه التنموي والنيوليبرالية أنظمة تاريخية متمايزة تختلف أشكالها المؤسسية وإستراتيجيات الدول الخاصة بها، فإنها تشترك في استمراريات بنيوية على مستوى أنماط التراكم والموقع التابع للمنطقة في الاقتصاد الرأسمالي العالمي (Batang Dialogue, 2025).

في عالم اليوم متعدد الأقطاب، لم تختفِ تبعية أمريكا اللاتينية وإنما انتقلت إلى أشكال جديدة من الاعتماد المتبادل. فقد باتت الاستثمارات والقروض القادمة من الصين تكمل بشكل متزايد الهيمنة الاقتصادية التقليدية للولايات المتحدة (بل وتحل محلها جزئيًا في بعض القطاعات)، وخاصة في التجارة وتمويل البنية التحتية والصناعات الاستخراجية. منذ بدايات الألفية الثالثة، أصبحت الصين واحدة من الشركاء التجاريين الأساسيين للعديد من اقتصادات أمريكا اللاتينية، في حين برزت بنوك السياسات الصينية كمصادر بارزة لتمويل التنمية خاصة أثناء فترات فرض القيود على الوصول لأسواق رأس المال الغربية (Jenkins 2012, Gallagher 2016, and Myers Ray 2024). لكن رغم إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية الخارجية بهذه الطريقة، ظلت البنية السلعية الموجهة نحو التصدير في المنطقة على حالها إلى حد كبير بشكل عزز أنماط الاعتماد على السلع الأولية وقيد الترقي الصناعي (Svampa 2019; CEPAL 2022).

كما ورد في إحدى النقاشات في باتانج، فإن "الصناعة في هذه المنطقة نادرًا ما تُفهَم كسيادة إنتاجية شعبية وإنما كأداة جيوسياسية بين الدول". في تحليلنا، تؤكد السياسة الصناعية من أسفل في أمريكا اللاتينية على أهمية بناء الاقتصادات المجتمعية وتقوية القواعد الإنتاجية المحلية وإعادة صياغة العلاقة بين البشر والطبيعة بشكل يتجاوز منطق الاستخراج والنمو اللامحدود. ومن الأمور الجوهرية أن هذا المنظور لا يتجاوز الدولة، بل ينظر إليها باعتبارها حقلًا متناقضًا ومتنازعًا عليه- فهي من ناحية مقيدة برأس المال العالمي والضغوط الجيوسياسية لكن من ناحية أخرى قابلة لإعادة التشكيل عبر التنظيم الشعبي والإستراتيجيات الصناعية من أسفل لأعلى (Gramsci, 1971). 

تنبثق تأمّلاتٌ شبيهة من تجربة إندونيسيا، التي تكشف عن نمطٍ من الاستمرارية الاستعمارية له سمته السياسية المتميزة. منذ إصدار قانون الأراضي الزراعية  (Agrarische Wet) في 18707 تحولت جزر الهند الشرقية الهولندية  إلى مختبر للرأسمالية الاستعمارية متمركز حول قطاعي المزارع الضخمة الموجهة للتصدير والتعدين. وثق جيرتز (1996) كيف أفضى التوسع في الصناعات كبيرة الحجم مثل السكر إلى "الإنكماش الزراعي"8 (Agricultural Involution) الذي همش الاقتصادات المحلية. هذه الظاهرة أكد عليها أيضا بريمان (1989) الذي حلل نظام المزارع الضخمة كشكل من أشكال الرأسمالية المتطرفة المعتمدة على التحكم الشديد في العمال لتعظيم الأرباح السوقية العالمية. وبحسب بوث (1998) فقد عمقت هذه الديناميات بنية اقتصادية مزدوجة يقوم فيها رأس المال الأجنبي بدور المحرك الرئيسي.

لم يختفِ هذا الإرث البنيوي تمامًا بعد الاستقلال؛ إذ يقول أندرسون (1983) إن الدولة الإندونيسية ورثت أجهزة بيروقراطية استعمارية احتفظت بالمنطق الاستخراجي٬ وهو ما نتج عنه استمرار الازدواجية الاقتصادية والاعتمادية على رأس المال الأجنبي حتى الوقت الحالي. وكما أشار أيوان نوردين (Iwan Nurdin) -وهو متخصص في الإصلاح الزراعي ومدافع عن حقوق الفلاحين- في حوار باتانج : "استمرت إندونيسيا في اتباع نموذج النمو القائم على استغلال الموارد الطبيعية من أجل التصدير، في حين فشلت جهود التصنيع الوطني بسبب غياب الإصلاح الزراعي -وهو الأساس نفسه الذي يقوم عليه الاعتماد الاقتصادي على الذات- بخلاف دول شرق آسيا مثل كوريا الجنوبية وتايوان التي نجحت في بناء قاعدتها الصناعية".

أما التصنيع تحت قيادة سوكارنو9 فيمكن فهمه كمحاولة منهجية لكسر التبعية الاستعمارية من خلال إستراتيجيات التأميم وتطوير الصناعات الأساسية مثل الصلب والأسمدة والأسمنت (Thee, 2012). لكن هذا المشروع واجه قيودًا بنيوية كبيرة خاصة مع صعود طبقة "الرأسماليين البيروقراطيين" الذين يفتقرون إلى القدرات المالية والتقنية اللازمة للحفاظ على النمو الصناعي طويل المدى (Robison, 1986). انهارت استمرارية مشروع التصنيع الوطني هذا مع الوقت تحت الضغوط الجيوسياسية ومأساة 196510 التي كانت بمثابة لحظة إعادة هيكلة عنيفة للدولة الإندونيسية (Roosa 2006/2008). وقد شكلت هذه العملية جزءًا من نمط عالمي أوسع معروف بـ"منهج جاكرتا" (Bevins 2020/2022) الذي أصبح فيه السحق الممنهج للحركات اليسارية بمثابة مخطط دولي لإعادة إدماج اقتصادات ما بعد الاستعمار في فلك الرأسمالية الغربية. ونتيجة لهذا، جرى التخلي عن أجندة الإصلاح الزراعي الحقيقي11 وحل محلها نظام لسيادة إقليمية للدولة يعطي الأولوية للامتيازات الضخمة للشركات على حساب حقوق الفلاحين في الأرض، بما سمح للبنية الاقتصادية المزدوجة الموروثة من الاستعمار أن تستمر حتى الوقت الحاضر (Li 2014).

إن حقبة النظام الجديد (1966-1998) التي ترسخت تحت رئاسة سوهارتو بعد العنف الواقع عام 1965 مثلت انتقالًا نحو شكل من أشكال رأسمالية الدولة المتشابكة مع السلطوية العسكرية ورأس المال الدولي. وبدعم من المؤسسات المالية العالمية، روج النظام للتصنيع الموجه نحو التصدير ولرفع القيود على الاستثمار الأجنبي. وكانت النتيجة نموًا اقتصاديًا سريعًا لكنه هش ارتكز على تعميق اللامساواة الاجتماعية واتساع رقعة التدهور البيئي. لم تنشأ الرأسمالية الطرفية في إندونيسيا من قاعدة إنتاجية شعبية، وإنما من إدماج تابع في الاقتصاد العالمي حيث لعبت الدولة دور الميسر لتوسع رأس المال العالمي (Habibi, 2016).

بعد أزمة 1998 وبداية حقبة الإصلاح (Reformasi)، أصبح التصنيع في إندونيسيا مندمجًا بشكل متزايد في سلاسل القيمة العالمية وخاصة في القطاعات الاستخراجية والتصنيع منخفض الأجور. ويمثل هذا الاندماج شكلًا معاصرًا من الإمبريالية تقوم فيه الشركات متعددة الجنسيات في الشمال العالمي بالتحكم في الإنتاج في الجنوب العالمي من خلال الآليات التعاقدية والسيطرة على إمكانيات النفاذ للأسواق من دون حاجة إلى ملكية مباشرة أو سيطرة إقليمية (Suwandi, 2019). ويستند هذا الشكل من السيطرة إلى المفاضلة بين أجور العمالة عالميًا بحيث يُنتجَ فائض القيمة عن طريق الأيدي العاملة الرخيصة واستخراج الموارد في بلدان مثل إندونيسيا في الجنوب العالمي لكن يُستحوَذ عليه وتتحقق عوائده في المركز الرأسمالي (Smith, 2016). وعلى المستوى الوطني في إندونيسيا، كثيرًا ما تقوم الشركات المحلية فقط بدور "الوسيط بين العمالة المحلية والشركات متعددة الجنسيات" فتظل في موقع تابع داخل البنى العالمية للقيمة. إن الطبقة الرأسمالية الوطنية الطرفية في إندونيسيا لم تكن يوما مستقلة فعلًا، فهي تعتمد على تدفقات رأس المال الأجنبي وتؤدي أساسًا وظيفة القناة التي تربط رأس المال العالمي بالاحتياطي المحلي من العمالة الرخيصة (Habibi, 2016).

تجسد هذه الدينامية ما وصفه سمير أمين بـ"قانون القيمة المعولمة" حيث تُدمَج العمالة عبر الشمال والجنوب في نظام عالمي واحد للإنتاج والتبادل لكنه منظم بشكل تراتبي. فعلى الرغم من أن  قوة العمل لها قيمة عالمية واحدة، فإنها "تُكافأ بأسعار مختلفة جدًا" بما ينتج الريع الإمبريالي- وهو آلية بنيوية يجري من خلالها استخراج فائض القيمة من الاقتصادات الطرفية وتحويلها للمركز الرأسمالي (Amin, 1978/2010; Lauesen, 2024).

واليوم، تحت شعار تعزيز صناعة المعادن في أطوارها النهائية12 والانتقال الطاقي الأخضر، نشأ شكل جديد من الإمبريالية الاقتصادية هو التوجه الاستخراجي الأخضر، أي توسع الصناعات الانتقالية في المعادن مثل النيكل والنحاس والبوكسيت، وهذا الشكل ما زال يهيمن عليه رأس المال الأجنبي خاصة من الصين. ويبرز هذا النمط استمرارية الازدواجية الاقتصادية الاستعمارية حيث يبقى الإنتاج الصناعي منفصلًا عن القواعد الزراعية والاحتياجات الشعبية بشكل يؤكد أن "الرأسمالية الخضراء" مجرد وجه جديد للعلاقات الاستغلالية القديمة داخل سلسلة السلع العالمية. علاوة على ذلك، نموذج قومية الموارد الذي تقوده الدولة في صناعات الأطوار النهائية للمعادن في إندونيسيا نتج عنه خطف الدستور الإندونيسي من قبل الأوليجاركية، ومن ثم تكريس خضوع البلاد لرأس المال العالمي. وكما يؤكد بريسر بريرا (2018) فإن ممارسة قومية الموارد لن تفضي إلا إلى دولة تنموية كالتي تروج لها النخبة السياسية البرجوازية التي تشكل طبقة وطنية بين الرأسماليين والبيروقراطيين التقنيين وتحافظ على نظام ليبرالي في السياسات الاقتصادية.

من إفريقيا إلى إندونيسيا، تكشف هذه الخبرات عن نمط مستمر: تصنيع من أعلى لأسفل (سواء في شكل توجه استعماري أو تنموي أو نيوليبرالي) فشل في خلق سيادة اقتصادية وعدالة اجتماعية. بل على العكس، كرس اللامساواة وعمَّق الأزمات البيئية. وقد برز مفهوم السياسة الصناعية من أسفل في استجابة لهذا الفشل التاريخي كنموذج مضاد للهيمنة. هذا الإطار متجذر في الحركات القاعدية والتساؤلات الفكرية الجماعية التي تسعى لإعادة تشكيل مفهوم التنمية- عودة السيطرة على الملكية والإنتاج للشعب وإدماج العدالة الاجتماعية والبيئية في إطار قائم على تفكيك الاستعمار. تؤكد هذه المقاربة بالتحديد على أن السياسات الصناعية ليست مجرد أداة تكنوقراطية، وإنما عملية ديمقراطية تُقاد من قبل فاعلين "من أسفل" مثل النقابات العمالية والمجتمعات الزراعية والتعاونيات الزراعية (Batang Dialogue, 2025).

توضح هذه المبادرات مجتمعة أن السياسة الصناعية من أسفل ليست مجرد بديل تقني وإنما مشروع سياسي ومعياري. فهي تشجعنا على إعادة التفكير في مسألة من يجب أن يتحكم في البني التحتية الإنتاجية، وتقدم نماذج مؤسسية متماسكة تعيد توزيع السلطة باتجاه المجتمعات وتنتج نتائج مادية (تقليل الاستغلال وتقوية السيادة الغذائية والاستقلالية الطاقية المتجذرة إقليميًا) تتطلع لأفق مختلف للتنمية.

السياسة الصناعية من أسفل

تبدأ السياسة الصناعية من أسفل بقطيعة مفاهيمية: فهي تتحدانا لإعادة التفكير في ما تعنيه "الصناعة". وفي مواجهة الأنماط المستمرة من التبعية والاستغلال، يُقدَم مفهوم السياسة الصناعية من أسفل بوصفه جهدًا يُبذَل لاستعادة اتجاه ومعنى التصنيع من أيدي الدولة السلطوية ورأس المال. وكما نوقش في حوار باتانج 2025، هذا المفهوم لا يقترح فقط نموذجا بديلا للصناعة، وإنما يدعو لإعادة تصور جذرية لسياسة الإنتاج نفسه. واستنادًا لجرامشي (1971) وبولانتزاس (1978/2000)، إعادة التصور هذه لا ترى الدولة كخصم واحد متجانس وإنما كساحة صراع متنازع عليها وفضاء "جوهري" للسلطة. ومن ثم، الهدف هو تغيير توازن القوى داخل هذه الساحة بما يمكن العمال والفلاحين ومجتمعات الشعوب الأصلية والنساء والحركات البيئية من شن "حرب مواقع" ضد رأس المال المهيمن. وبهذا المعنى، تصبح هذه الطبقات الشعبية فاعلين أساسيين يستعيدون جهاز الدولة من أجل تحديد كيف ولصالح من ولأي غرض يجب تنظيم الإنتاج بشكل يحول الدولة إلى أداة للعدالة الاجتماعية والبيئية.

في هذا الإطار، تسعى السياسة الصناعية من أسفل (كما تبلور في حوار باتانج) إلى "إعادة تنظيم الأساس المادي للحياة". فالتصنيع لا يتعلق فقط بإنشاء المصانع وإنما بناء القدرة الجماعية للمجتمع من أجل إنتاج وإعادة إنتاج الحياة بطريقة عادلة ومستدامة. يعني هذا أن الاقتصاد لا يمكن فصله عن النظام الإيكولوجي والإنتاج لا يمكن فصله عن الرعاية. لا يجب رفض التكنولوجيا والصناعة، وإنما استعادتهما تحت السيطرة الاجتماعية والتكامل الاجتماعي البيئي- أي تصنيع يهدف لكسر سلاسل التبعية في إطار مشروع تحرري.

إعادة التصور هذه تتسق بصورة وثيقة مع الاقتصاد السياسي النسوي الذي طرح منذ وقت طويل أن القدرة على "إنتاج وإعادة إنتاج الحياة" تستند إلى البنى التحتية المحددة على أساس النوع الاجتماعي للرعاية وإعادة الإنتاج الاجتماعي والمعرفة المجتمعية التي تبقى غير مرئية في النماذج الصناعية المهيمنة (Bhattacharya, 2017; Federici, 2012). فتذكرنا الباحثات النسويات والحركات النسوية بأن التصنيع اعتمد تاريخيًا على عمل النساء غير مدفوع الأجر ومبخس القيمة (والذي يمتد من العمل الرعائي إلى صون البيئة وتوفير الغذاء ونقل المعرفة)، ومع ذلك تُستبعَد أشكال العمل هذه مما يُعترَف به تقليديًا كـ"صناعة" (Mies, 1986; Fraser, 2016).

إن إدخال عدسة نسوية إلى السياسة الصناعية من أسفل يوضح بالتالي أن تغيير الصناعة يستلزم تغيير التنظيم المحدد وفقًا للنوع الاجتماعي لصنع الحياة نفسها. وبهذا المعنى، إعادة تعريف الصناعة تنقل مركز الثقل من النمو والتراكم إلى الرعاية وتوفير الغذاء وتجديد النظم البيئية. وتتحدى هذه الرؤية الخيال الصناعي الحديث الذي يعامل الإنتاج وكأنه منفصل عن الأرض والعمل الهش والمحدد على أساس النوع الاجتماعي والعلاقات المجتمعية، لتقدم في المقابل أشكالًا من الإنتاج متجذرة في التبادل والاستقلالية والرقابة الديمقراطية.

الفارق الجوهري في نظرنا بين السياسات الصناعية السائدة ومفهومنا للسياسة الصناعية يكمن في منطق كل منهما وموضعها؛ فالأولى مجال للدولة (تكنوقراطي وتراتبي وموجه نحو النمو) والثانية حقل للتنازع السياسي يتحدى فيه المحرومون من الملكية الاتجاه الذي يسير فيه الاقتصاد ويتفاوضون معه ويعيدون تعريفه وفقا للاحتياجات الجماعية. بهذا المعنى، لا تكون السياسة الصناعية من أسفل سياسة جديدة من بين السياسات وإنما عملية للمقرطة الاقتصادية، أي رفض التصنيع كمشروع من أعلى لأسفل تهيمن عليه الطبقات الحاكمة ويقوده رأس المال.

تزداد أهمية هذا النقد لأن مشروعات التصنيع الحديثة تستمر في إعادة إنتاج العلاقات الاستعمارية القديمة في أشكال جديدة. فعلى الرغم من أن الهدف الرسمي لمبادرات مثل تعزيز صناعة المعادن في أطوارها النهائية هو تمكين اقتصادات الجنوب من تجاوز دور مُوردي المواد الخام، فإنها في الممارسة العملية تتعرض للاستيلاء غالبًا من قبل النخب الوطنية والمحلية، فتُستخدَم كذريعة لتحقيق الأرباح داخل الأسواق العالمية بدون معالجة رفاه المجتمعات المتأثرة أو إشراكها. في إندونيسيا، كثيرًا ما جرى تنفيذ سياسات تعزيز صناعة المعادن في أطوارها النهائية وبرامج تصنيع "القيمة المضافة" بطرق تفيد مصالح الأوليكارجية بينما تترك التدهور البيئي ونهب الأراضي والتوزيع اللامتساوي للمنافع بدون معالجة تذكر. وبالتالي، المناطق الاقتصادية الخاصة ومبادرات تعزيز صناعة المعادن في أطوارها النهائية وما يسمى بـ"عمليات الانتقال الاخضر" غالبًا ما تعمق أنماط التبعية حتى لو بدت أنها تتحداها. ومن ثم، يمكن أن يعني بناء سياسة صناعية من أسفل تحرير الصناعة من الاستعمار: رفض الأدوار السلبية والتابعة في سلاسل القيمة العالمية وإعادة التوكيد على حق الناس في التحكم في الموارد ووسائل الإنتاج من أجل إشباع أولوياتهم أولا.

لكن رفض الأشكال الاستغلالية من الصناعة لا يعني رفض الصناعة نفسها. فبدون قاعدة مادية قوية، ستبقى اقتصادات الشعوب خاضعة بنيويًا. الصناعة -بمعنى أرحب للكلمة- غير مقتصرة على المصانع أو التصنيع  رغم أهميتهما، وليست من أجل النمو في حد ذاته وإنما من أجل إقامة اعتماد ذاتي مادي، أي تأمين قدرة المجتمعات على إنتاج سلع أساسية مثل الغذاء والطاقة والأدوات بدون الاعتماد على الأسواق العالمية. من هذا المنظور، تصبح الصناعة وسيلة للتحرر والاعتماد على الذات وليس السيطرة والتبعية. ومن اللازم بالتالي على الحركات الاجتماعية أن تربط بين نضالات العمال والفلاحين والشعوب الأصلية في إطار مشترك للسياسة الصناعية من أسفل. 

في أفق أوسع، بلور حوار باتانج 2025 السياسة الصناعية من أسفل كشكل من أشكال اليوتوبيا الواقعية- خيال سياسي يضع الحياة الإنسانية في مركزه. ينبغي أن تتجذر الصناعة في الحكمة المحلية وملكية العمال والمجتمعات والتوزيع المتساوي والتكامل البيئي. ولا تقتصر هذه المقاربة على تعزيز السيطرة المجتمعية على الموارد، بل تتخيل أيضًا نظامًا دوليًا جديدًا قائمًا على التضامن وليس الهيمنة الإمبريالية. لقد دعا حوار باتانج 2025 إلى تغير إستراتيجي: إحلال سياسات ديمقراطية محل السياسات الصناعية النيوليبرالية، وإعادة توجيه البوصلة من تراكم الأرباح إلى الاقتصادات المتمحورة حول الناس، وتمركز الإنتاج حول الرعاية وإشباع الحاجات الأساسية بدلًا من الاستخراج المفرط وغير الضروري أو العسكرة، وتقوية التعاون جنوب-جنوب القائم على التضامن (وليس التبادل اللامتكافئ)، وتفكيك الصناعات المدمرة للحياة مثل المجمع الصناعي العسكري وقطاعات الكماليات الترفية الموجهة للأغنياء. كل هذه الأمور تتلاقى باتجاه رؤية تحويلية؛ تتجاوز الخيال الصناعي الحديث، وتعيد بناء العلاقات بين المدينة والقرية على أساس الدعم المتبادل والعدالة الاجتماعية والبيئية والوعي التاريخي التعويضي ضد العنف الاستعماري والاستخراجي.

وعليه، فإن السياسة الصناعية من أسفل ليست مجرد مفهوم اقتصادي وإنما مشروع سياسي لاستعادة الحياة. لا يكون للتصنيع معنى إلا بقدر ما يحرر الإنسانية من الخضوع والقهر، لا حين يوسع هيمنة رأس المال والإمبراطورية. ويعبر هذا عن تحول جوهري: من النمو إلى الاستدامة، ومن المنافسة إلى التضامن، ومن الاستغلال إلى الرعاية. ففي عالم تحاصره بشكل متزايد الأزمة المناخية واللامساواة والسلطوية، تعني استعادة التصنيع بناء مستقبل عادل لكل من الإنسانية والكوكب.

Illustration by Agah Nugraha Muharam

Illustration by Agah Nugraha Muharam

مسارات نحو الصناعة من أسفل: السياق الإندونيسي

في مناطق مختلفة من إندونيسيا، بدأت الممارسات الناشئة للسياسة الصناعية من أسفل تكشف عن إمكانية وجود شكل من التصنيع متمحور حول الحياة ومتجذر ماديًا في المجتمع وسيطرة العمال. هذه المبادرات لا تعمل فقط كاستراتيجيات معيشية بديلة معزولة، وإنما تبلور نقدًا معياريًا للنظام الصناعي المهيمن وتطرح في الوقت نفسه أشكالًا مختلفة من المأسسة القانونية. ومن ثم، لا تنشأ السياسة الصناعية من أسفل كمجرد فعل رافض، وإنما كمشروع تنمية اقتصادية وسياسية شامل ومضاد للهيمنة.

على المستوى المادي، تشير السياسة الصناعية من أسفل إلى السبل التي تبني بها المجتمعات قدرات إنتاجية مستقلة (مثل امتلاك مطاحن الأرز وتشغيلها واستعادة الأراضي وإدارة أنظمة الطاقة اللامركزية وإعادة تنظيم العمل بشكل تعاوني). ومن الأمور الجوهرية أن هذه العملية لا تتجاوز الدولة، بل الدولة يجري التعامل معها كساحة متنازع عليها لكنها ضرورية لأغراض التنسيق والتوسع والمأسسة على المستوى الوطني والإقليمي. وبالتالي، لا تسعى السياسة الصناعية من أسفل إلى انسحاب الدولة، بل إلى تحويلها من أسفل وجعل قدراتها متماشية مع إنتاج متجذر في المجتمع ويتحكم به العمال وخاضع للرقابة الشعبية الديمقراطية.

يمكن العثور على مثال ملموس في وحدة طحن الأرز التعاونية (LANUSA) المنشأة من خلال تحالف عمالي فلاحي بين اتحاد الإصلاح الزراعي (KPA) ومؤتمر تحالف النقابات العمالية بإندونيسيا (KASBI). فعن طريق استعادة السيطرة على الأرض والبنية التحتية الأساسية لتصنيع الأغذية وإدارتها من خلال آليات تعاونية وتوزيع الأرز بشكل مباشر على أسر الفلاحين والعمال الحضريين، تعمل هذه المبادرة على كسر الاعتماد التاريخي الطويل على سلاسل التوزيع التي يهيمن عليها الوسطاء والملاك الرأسماليون. لا يقتصر هذا التدخل على تقصير سلاسل التوريد وتقليص الاستغلال الرأسمالي، بل يعيد أيضًا تعريف الغذاء كحق جماعي. في هذا السياق، تكون تعاونية الطحن هذه بمثابة دعوى سياسية تجسد اقتصادًا سياسيًا للغذاء قائم على التضامن ومتجذر في تحالفات طبقية وسيادة محلية على البنية التحتية الأساسية.

وعلى الرغم من أن مشروع وحدة طحن الأرز التعاونية (LANUSA) ما زال في مرحلة تجريبية، فإن عملياته تمتد بالفعل عبر عدة مناطق في إندونيسيا: يُجمَع الأرز غير المقشور من المزارعين ذوي الحيازات الصغيرة في جاوة الغربية والوسطى ويُطحن محليًا، ثم يُوزَع على العمال في منطقة العاصمة جاكارتا والمناطق المحيطة. وتشير دراسة تقييمية قام بها اتحاد الإصلاح الزراعي (KPA) في 2021 إلى ارتفاع الطلب الشهري على الأرز، مع تقدير الكميات المحتملة التي يمكن توفيرها من قِبَل الأعضاء المنضوين في التعاونية بنحو 80 طنًا شهريًا. في الوقت الحالي، تقوم وحدة طحن الأرز التعاونية (LANUSA) بطحن  30 طنًا من أصل 50 طنًا من الأرز المحصود غير المقشور (المزروع على ما يقارب 12 هكتارًا من أراضي صغار المزارعين) على الرغم من أن طاقتها القصوى يمكن أن تصل إلى 350 طنًا شهريًا. وتشير هذه الأرقام إلى أن نموذج التعاونية (مع التوسع في التنسيق والحصاد) يمتلك إمكانيات كبيرة للتوسع وزيادة الأثر.

بالمثل، المشروعات المملوكة لمجتمعات الشعوب الأصلية (BUMMA) التي يروج لها تحالف الشعوب الأصلية في نُسنطرة (AMAN) تقوم بمأسسة السيطرة الجماعية على الموارد الإنتاجية وتربطها بشكل مباشر بنظم الحوكمة الخاصة بالشعوب الأصلية والحقوق الجماعية. وحتى الآن، قام تحالف الشعوب الأصلية في نُسنطرة بتبني 46 مشروع مملوك لمجتمعات الشعوب الأصلية وأكثر من 300 مجموعة اقتصادية للشعوب الأصلية في الزراعة وتربية الماشية وصيد الأسماك، بما في ذلك مبادرات يقودها الشباب والنساء. وعن طريق دمج بنى تحتية يقودها المجتمع (مثل أنظمة الطاقة الكهرومائية الصغيرة والألواح الشمسية) تُظهر المشروعات المملوكة لمجتمعات الشعوب الأصلية أن القدرة الصناعية يمكن بناؤها من الداخل، بما يدعم الطاقة المتجددة اللامركزية والإنتاج التعاوني وفي الوقت نفسه يعزز التبادل الإيكولوجي وإعادة تأهيل أراضٍ الشعوب الأصلية.

تؤكد هذه الممارسات مجتمعة أن السياسة الصناعية من أسفل لا تظهر في صورة حزمة خطية أو تكنوقراطية من إصلاحات السياسات، وإنما تتطور عبر ساحات متعددة من الصراع تتضمن نقابات فلاحية وحركات عمالية ومنظمات للشعوب الأصلية وتعاونيات نسائية وشبكات شبابية ومجموعات بيئية. ويغدو كل ميدان منها فضاءً لمنازعة علاقات القوة غير المتكافئة واستعادة الموارد وبناء قدرات إنتاجية مستقلة بشكل متدرج.

لهذ السبب، يُعد تحقيق السياسة الصناعية من أسفل في إندونيسيا مشروعًا سياسيًا يدعو لتحول بنيوي وليس مجرد تغيير في الخطاب. في حوار بين نشطاء إندونيسيين انعقد في بوجور13 بجاوة الغربية (إحدى مناطق البلاد الزراعية والصناعية الأساسية) من 1 إلى 3 يوليو/تموز 2025 جرى التأكيد على أن الصناعة الخاضعة لسيطرة المجتمع يجب أن تتجذر في استعادة السيادة الشعبية على الأرض والعمل والموارد الطبيعية. ومن الأمور الجوهرية أن هذا المشروع لا يتعامل مع الدولة كفاعل خارجي أو محايد يجري تجاوزه،  بل يُقر بالسمة شديدة المركزية والسلطوية غالبًا للدولة الإندونيسية بوصفها موقعًا أساسيًا للصراع، والتي تميل كثيرًا للعب دور الوكيل المحلي التابع لرأس المال الأجنبي (كومبرادور).

وبالتالي تجمع السياسة الصناعية من أسفل بين المبادرات الشعبية المستقلة والأجندة السياسية طويلة المدى بهدف منازعة وتغيير سلطة الدولة نفسها من خلال الحركات الجماهيرية المنظمة والتحالفات الطبقية والتدخلات الإستراتيجية في السياسات والمساحات المؤسسية. بدون هذه الإستراتيجية في الاشتباك والتنازع، قد ينتهي الحال بالتصنيع الذي يتم باسم الشعب إلى إعادة إنتاج اللامساواة البنيوية واستغلال العمال والتبعية الخارجية والدمار البيئي وإقصاء المجتمعات المحلية.

في هذا الإطار بالتحديد يكتسب مفهوم السيطرة العمالية المتجذرة مجتمعيًا أهميته السياسية والدستورية. إن مقرطة التنمية الاقتصادية وتوجيه التصنيع في إندونيسيا يتطلبان إعادة التأكيد بقوة على السيادة الشعبية على الموارد الطبيعية كما تقرها المادة 33  من دستور 1945. ولا يمكن فهم سيطرة الدولة على الموارد الطبيعية كمجرد مركزية إدارية للسلطة، بل يجب أن تتحقق عبر آليات ديمقراطية مجتمعية للسيطرة الشعبية والعمالية.

تجب استعادة الدستور من أيدي النخبة الأوليكارجية التي اختطفته، واستعادة التكليف الدستوري بوصفه جزءًا من العمل السياسي. وبناء على ذلك، السياسة الصناعية من أسفل لا تقف خارج إطار الدولة بل تسعى إلى تحقيق وتجذير التكليف الدستوري الذي تنص عليه المادة 33 من دستور 1945. والسيطرة العمالية المجتمعية تلعب دور الجسر بين سلطة الدولة وسيادة الشعب، بما يضمن أن يُوجَه استخدام الموارد الطبيعية بشكل حقيقي نحو الازدهار المشترك. دستور إندونيسيا -الذي هو معادٍ للاستعمار في جوهره- ما زال يقوم بدور الأداة الهامة لتحقيق السيطرة الشعبية على جوانب أساسية من  إتاحة وملكية ونماذج الإنتاج والاستخراج والتوزيع والاستهلاك للموارد الطبيعية.

استنادًا إلى هذا المبدأ، يمكن أن تلعب السيطرة العمالية المجتمعية دور الأساس الذي يقوم عليه تخطيط وصياغة قواعد التنمية الصناعية والاقتصادية، ومنها: (1) تحديد القطاعات الإستراتيجية وأولويات التنمية الموجهة لتحقيق أكبر قدر من الازدهار للشعب؛ و(2) تنظيم دور المشروعات التي تمتلكها الدولة في إدارة القطاعات الإستراتيجية التي لها الأولوية؛ و(3) فرض قيود على الأنشطة الاستخراجية في إدارة واستخدام الموارد الطبيعية؛ و(4) تحديد المؤشرات الجوهرية للرفاه الشعبي في التنمية الصناعية والاقتصادية الإستراتيجية؛ و(5) صياغة آليات ديمقراطية للرقابة الشعبية (Kertas Posisi Indonesia, 2025).14

على المستوى المادي، يجد مبدأ السيطرة المجتمعية العمالية تعبيره الأعمق في السيطرة على الأرض. ولهذا السبب، يمثل الإصلاح الزراعي الحقيقي شرطًا مسبقًا ضروريًا بشكل مطلق. فالأرض هي الأساس المادي لكل أشكال الإنتاج (الزراعة والطاقة والصناعة المتمحورة حول الناس أيضًا). ومن دون إعادة توزيع للأرض والاعتراف بحقوق الشعوب الأصلية في الأرض لا يمكن تحقيق السيادة الصناعية. ولا يتوقف الإصلاح الزراعي الجوهري على توزيع صكوك الأرض، وإنما يتطلب إعادة هيكلة جوهرية للملكية والتحكم في المواد حتى تستطيع الإنتاجية وخلق القيمة أن تنشأ على المستوى المجتمعي. والاعتراف بحق الشعوب الأصلية في تقرير المصير أمر جوهري لضمان أن يتشكل توجه التنمية الصناعية عن طريق الحوكمة المحلية والاحترام الثقافي والمشاركة الجادة وليس نماذج التقدم الخطية والمفروضة من الخارج (Kertas Posisi Indonesia, 2025).

لا بد من تقوية الأسس السياسية والمؤسسية. فالدولة ملزمة بضمان أن تُصاغ السياسات الصناعية والاستثمارية وسياسات البنية التحتية من خلال مشاركة شعبية حقيقية. ومبدأ الموافقة المستنيرة والمسبقة والحرة يجب تطبيقه على نطاق واسع، بما في ذلك في سياسات الطاقة وتعزيز صناعة المعادن في أطوارها النهائية. وتشكل حماية العمال وحرية التنظيم ونظام الضمان الاجتماعي العام شروطًا أساسية لضمان أن يسير التصنيع بأسلوب ديمقراطي وشامل وفقًا للمادة 33 من دستور 1945 التي تنص على أن تُمارَس السيطرة على الموارد الطبيعية بهدف تحقيق أكبر رخاء للشعب (Kertas Posisi Indonesia, 2025).

لا بد من تعزيز القدرات الاقتصادية والتقنية المجتمعية جنبًا إلى جنب مع السياسة الصناعية من أسفل. ويفترض ذلك أن المجتمعات يمكنها أن تنتج بشكل مستقل أدوات العمل والطاقة والاحتياجات الأساسية. ويتطلب تحقيق هذا تحولًا في التعليم بما يتجاوز التدريب النيوليبرالي "للعمالة الصناعية" بشكل يقدم معرفة تقنية متنوعة مصممة للاحتياجات المحلية والوطنية. إن التوسع في إتاحة الجامعات والتدريب التقني المتقدم لأعضاء المجتمع، إلى جانب دعم مراكز الابتكار المحلية (مثل ورش العمل والتعاونيات التكنولوجية ومختبرات القرى) يمكن أن يُمكِّن قطاعات مثل أنظمة الطاقة الكهرومائية الصغيرة والطاقة الشمسية المملوكة للمجتمع (كما يروج لها تحالف الشعوب الأصلية في نُسنطرة (AMAN) ومرافق التصنيع الزراعي التعاونية، بما يضمن أن تفيد الخبرة التقنية في التمكين الجماعي لا مجرد حركة الأفراد في السوق.

إعادة توجيه القطاع الصناعي ضرورية أيضًا في خضم الأزمات البيئية والغذائية. فالتنمية الصناعية يجب أن تبتعد عن المنطق الاستخراجي وتتجه للقطاعات التي تحافظ على الحياة كالغذاء والطاقة النظيفة والصحة والتعليم وحوكمة المياه. لا بد من تقييم برامج تعزيز صناعة المعادن في أطوارها النهائية بشكل نقدي للتأكد من أنها لا تعمق التبعية العالمية أو تعزز هيمنة رأس المال بل تُوجَه من خلال تخطيط ديمقراطي يحد من الاستخراج ويعطي الأولوية للاحتياجات الشعبية (Kertas Posisi Indonesia, 2025).

كل هذه الأجندات لا يمكن أن تتقدم إلا لو كانت مدعومة بنمو اقتصاد تضامني وتمويل شعبي وبذل جهد سياسي لتحدي دخول الاقتصادات الطرفية في النظام الرأسمالي العالمي من موقع خاضع، فالدخول بهذه الطريقة يعيد إنتاج التبعية ويقيد إمكانيات السياسة الصناعية من أسفل عن طريق علاقات القوى الإمبريالية. بهذا المعنى، يتماشى هذا النهج مع مفهوم سمير أمين لفك الارتباط- لا بوصفه اكتفاءًا ذاتيًا اقتصاديًا وإنما إعادة توجيه إستراتيجي لأولويات التنمية بعيدًا عن إملاءات التراكم العالمي وباتجاه الاحتياجات الشعبية.

السياسة الصناعية من أسفل لا يمكن أن تعتمد على الآليات المالية النيوليبرالية. لا بد من تقوية التعاونيات وصناديق القرى الإنتاجية ومؤسسات الائتمان الاجتماعي، على أن تُعطي تقييمات المشروعات الصناعية الأولوية للقيمة الاجتماعية والبيئية قبل حساب مؤشّرات العائد على الاستثمار الضيقة. إن حماية العمالة المحلية -بما في ذلك معارضة العمل بعقود هشة والتعهيد وبرامج التدريب الاستغلالية- تشكل جزءًا لا يتجزأ من هذه الأجندة، إلى جانب الإصلاح التعليمي الهادف لبناء القدرات التكنولوجية الشعبية.

أخيرًا، لا بد من تقوية التحالفات العابرة للقطاعات والمناطق كقوة اجتماعية سياسية موحدة. في السياق العالمي، يفتح التعاون جنوب-جنوب المجال لتبادل المعرفة والتكنولوجيات الشعبية والاستراتيجيات السياسية من أجل مواجهة الأشكال الجديدة من التبعية التي تظهر في ظل أنظمة الاستخراج الأخضر. ولا يمكن أن يكتسب التحرر من الاستعمار الاقتصادي معنى حقيقيًا، إلا لو كان مبنيًا على التضامن والديمقراطية الاقتصادية وليس التنافس السوقي و التبادل اللامتكافئ (Kertas Posisi Indonesia, 2025).

هذه التدابير مجتمعة تعبر عن تحول جوهري من التصنيع كأداة للنمو إلى التصنيع كمشروع حياة. في إندونيسيا وغيرها، يقتضي هذا إعادة الاقتصاد إلى جذوره الاجتماعية: الأرض والمجتمع والتضامن. تفتح السياسة الصناعية من أسفل إمكانيات المقرطة الاقتصادية وإعادة تشكيل العلاقات بين البشر والطبيعة والعمل على أساس العدالة والاستدامة.

خاتمة

استعادة التصنيع تعني إعادة كتابة اتجاه الحضارة نفسها: من الاستغلال إلى الرعاية، ومن تراكم رأس المال إلى استمرارية الحياة. وتوضح القراءة النسوية هذا التحول بشكل أكثر جلاءً؛ إذ أن استمرارية الحياة تقوم على أشكال من العمل والمعرفة والعلاقات كانت تاريخيًا مؤنثة ومبخسة القيمة. ولا يمكن أن يغدو التصنيع مشروعًا تحرريًا إلا عندما يضع في القلب منه الممارسات التي تصنع الحياة (الرعاية وإعادة الإنتاج الاجتماعي وصون البيئة)، ويعترف بالنساء ومجتمعات الشعوب الأصلية ومقدمي الرعاية الذين طالما حملوا هذه الأعباء كذوات سياسية لا مجرد أرقام هامشية في التنمية. السياسة الصناعية من أسفل تقدم طريقة جديدة لتخيل التقدم - ليس بلغة النمو الاقتصادي وإنما بكيفية خدمة الصناعة لرفاه الناس والعدالة الإيكولوجية.

في السياق الإندونيسي٬ تغدو هذه الرؤية ملحة في ظل مشروعات مثل تعزيز صناعة المعادن في أطوارها النهائية و"ضيعات الغذاء"15 وما يسمى بالانتقال الأخضر16 التي كثيرًا ما تعيد إنتاج المنطق الاستخراجي والاستعماري الجديد. فبدون إصلاح زراعي حقيقي ومقرطة صناعية وسيطرة مجتمعية على الموارد، لن تؤدي التنمية إلا إلى تعميق اللامساواة.

تبين خبرة اجتماع باتانج أن مسارًا آخرًا يظل ممكنًا دائمًا: تصنيع متجذر شعبيًا ومنسجم مع الاستدامة ومعزز للتضامن العابر للحدود. إن كان التصنيع في ما سبق يرمز للهيمنة، فبوسعه اليوم أن يصبح أداةً للتحرر شرط أن يتأسس على الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والرعاية البيئية.