عودةٌ إلى المستقبل رؤية نيريري للتنمية الصناعية ودروسها للجنوب العالمي المُعاصر
Topics
Regions
من فلسطين إلى أفريقيا، تكشف نضالات التحرر عن حدود "التنمية" الاستعمارية. من خلال إعادة النظر في رؤية جوليوس نيريري، تستكشف هذه المقالة كيف يقدم التضامن بين دول الجنوب العالمي والسياسة الصناعية وحق تقرير المصير دروساً ملحة لمواجهة الإمبريالية اليوم.
Illustration by Fourate Chahal El Rekaby
على مدار القرن الماضي دأبت أقطار الجنوب العالمي على مُجاهدة تحديات التنمية المزمنة والمستجدة في كل مرحلة من المراحل. لقد واجهت هذه الأقطار التي تشكلت في بوتقة الكولونيالية والإمبريالية والاستغلال الإمبريالي الجديد – منذ سنوات استقلالها الأولى (الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين) – تحديات تتعلق بضمان الرفاه المادي لسكانها، ووضع أسس اقتصادية للسيادة السياسية الحقيقية. ولقد أوضح ثانديكا مكانداوايري – المفكر التنموي الأفريقي والاقتصادي المُخالف للرؤى الاقتصادية التقليدية – خمس مهام تاريخية استعلنتها الدول الأفريقية حديثة العهد بالاستقلال: "إنهاء الاستعمار بالكامل في القارة، والبناء الوطني، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والدمقرطة، والتعاون الإقليمي" (Mkandawire, 1999).
ومنذ تحقيق أفريقيا للاستقلال، تشكلت خصائص تلك التحديات الإنمائية انطلاقًا من ضغوطات وإملاءات كل من المراحل التاريخية المتعاقبة. بدأ هذا "التشكل" المتوالي بالاحتياج الماسّ لتوليد العوائد من أجل التنمية، ثم تقلّب أسواق السلع العالمية، ثم الضغوط الإكراهية من قِبل المؤسسات المالية الدولية. وجاءت ردود الفعل المتوالية لكل من هذه التحديات في صورة تغيّرات وتحوّلات في المنظور الاستراتيجي للدول الأفريقية، مرة بعد المرة. لقد رأينا أولًا سنوات التبعية الاستخراجية والتعويل على السلع الأساسية، ثم موجة التحول الصناعي بقيادة الدولة، والاستثمارات الحكومية، أثناء السنوات الأولى من بعد الاستقلال، في الستينيات والسبعينيات. لكن سرعان ما جرى تفكيك هذه العملية بموجب إجماع واشنطن في الثمانينيات والتسعينيات، إذ فُرض التحرير الاقتصادي وأصولية السوق، وكانت العواقب كارثية. وفي مرحلة لاحقة، أدت إخفاقات المشروع النيوليبرالي العميقة إلى بث الروح من جديد في النقاش حول تدخلات الدولة الاستراتيجية والتعاون الاقتصادي جنوب-جنوب (Chang et al., 2014; Stiglitz, 2018). وفي أعقاب هذه التغيّرات، تجدد تفعيل السياسات الصناعية، وهو مفهوم كان يُعتبر محض هرطقة في حقبة سيادة التقاليد النيوليبرالية (Cramer et al., 2020; Oqubay, 2015).
لكن ها هي السياسات الصناعية تعود للصدارة محمولة على أكتاف التحولات الاقتصادية الكبرى في دول مثل الصين وكوريا الجنوبية والبرازيل. على ذلك، من الواضح أن السياسات الصناعية المعاصرة توضع حاليًا وتتطور على أرضية معقدة وصعبة، تشكّلها التحديات الوجودية لخفض الكربون، والوزن الهائل للديون السيادية، والأزمات المتكررة والمزمنة المرتبطة ارتباطًا لا ينفصم بالرأسمالية. هذه التحديات المُفاقمة للأزمة تعني ضرورة البحث في تجارب التنمية المستقلة التاريخية، وتعني أن هذا البحث في التاريخ قيّم وضروري.
في هذا السياق السياسي والفِكري إذن، يبحث هذا المقال في الرؤية الصناعية لجوليوس ك. نيريري، زعيم التحرر الوطني والمثقف الثوري وأول رئيس لتنجانيقا وتنزانيا المستقلة. ونحن إذ نستعرض رؤيته وتجربته التاريخية لا نضعها أمام القراء وكأنها "وصفة جاهزة" تنتظر التطبيق كما هي، ففيها أيضًا بعض العيوب التي تستحق التعلم منها، إنما نستعرضها كتجربة ثرية وتثقيفية، فيها الكثير من الدروس التي يمكن أن تسلط الضوء على قضايا ومشكلات الجنوب العالمي المعاصر.
نيريري: الصورة الكبيرة
"أن ينشأ المرء في تنجانيقا – تنزانيا في ما بعد – في الستينيات، كانت تجربة فريدة في هذا الجزء من أفريقيا، حيث كان العديد من جيراننا يمرون بتقلبات، ونزاعات قَبلية وأشكال أخرى للخلاف والصراع أثناء المرحلة التي كنّا نتمتع فيها بسلام واستقرار نسبيين في بلدي" – جودفري مواكيكاغيلي،1 "الحياة في ظل نيريري" (2006).
يشهد الاستقرار السياسي طويل الأمد في تنزانيا، ووحدتها حول سردية وطنية، على مهارة جوليوس كامباراقي نيريري كرجل دولة. إن هذا الاستقرار والاتحاد من امتدادات المشروع السياسي الذي بدأه قبل أن يتولى الرئاسة، إذ بدأ مساره السياسي سنة 1954، بتأسيس الاتحاد الوطني الأفريقي لتنجانيقا (تانو)، وهي منظمة كرست جهودها منذ نشأت لمُثل الحكم الذاتي الوطني. وسعيًا وراء تحقيق هذا الهدف، استخدم نيريري بمهارة أدوات النظام الاستعماري ضده، عندما عرض قضية تنجانيقا على مجلس وصاية الأمم المتحدة في مارس 1955، ثم عرضها للمرة الثانية في نوفمبر 1956. ولقد حاجج بشكل مُقنع بأن الإدارة البريطانية فشلت في الاضطلاع بمهامها المتعلقة بتحضير البلد للحكم الذاتي. ولقد أدى هذا إلى تصاعد الضغوط الدولية على المستعمر (Msekwa, 2005).
ثم حاولت الحكومة البريطانية الاستعمارية الحد من طموحات نيريري السياسية، فاضطرته إلى الاختيار بين مهنته كمُعلم (ومنها ورث لقبه "مواليمو" أي المعلمُ في اللغة السواحلية) أو النشاط السياسي. وُجه إنذار إلى نيريري من إدارة مدرسة سان فرانسيس كولدج، قرب دار السلام، حيث كان يعمل معلمًا. ومُنح نيريري الاختيار: إما أن يوقف نشاطه السياسي أو يخسر عمله كمُعلم (Shivji et al., 2020). أدت هذه المناورة من الاستعمار إلى أثر عكسي، إذ أصبح قرار نيريري بالتخلي عن أمانه الوظيفي بمثابة إعلان قوي ومدوٍ بالتزامه، ومن ثم تحوّل بالكامل إلى الحشد الشعبي والتعبئة السياسية. سمح هذا لنيريري ببدء حملة قُطريّة شاملة وضح من خلالها رؤية الحرية والاستقلال في تنجانيقا، وبلغت ذروتها في انتصار "تانو" الانتخابي الباهر في انتخابات 1958-1959. وبعد هذا الانتصار، أصبح نيريري في موقع يؤهله للتفاوض على الاستقلال بحلول عام 1961. وأصبح أول رئيس للوزراء، ثم أول رئيس لتنجانيقا المستقلة.
نفس هذه الحكمة الاستراتيجية وجَّهته في تعامله مع مرحلة ما بعد الاستقلال، وتشكيل تنزانيا المتحدة في عام 1964. بصفته المهندس الأول لاتحاد تنجانيقا وزنجبار – العنصران المكونان لتنزانيا المعاصرة – أنشأ نيريري بشكل واعٍ سردية وطنية متماسكة، تنهض وفقها الهوية التنزانية على أرضية قوية. تحقق هذا عبر مجموعة من الأدوات الاجتماعية-السياسية، تشمل تعزيز اللغة السواحلية بصفتها لغة وطنية (Saul, 2012). ولقد أثبت نموذج الحكم المدني غير العنيف الذي صاغه نيريري ثباته وصلابته على مدى عقود. فهذا النموذج يتناقض بقوة مع الانقلابات والانقلابات المضادة والحروب الأهلية التي ابتلت بلدانا أخرى في أفريقيا ما بعد الاستقلال (Shivji, 2012)؛ فالاستقرار السياسي طويل الأجل في أي مجتمع يمر بمراحل ما بعد الاستعمار ليس بالمصادفة التاريخية، إنما يأتي نتيجة قيادة حريصة ومشروعات سياسية ذوات رؤى.
لقد تسامى مشروع نيريري على مرحلة تحقيق التماسك السياسي ليقدّم خدمات مادية عميقة الأثر، وليتوسع في تقديم الأجر الاجتماعي للشعب التنزاني. لدى الاستقلال، أصبح رئيسًا لدولة متخلفة تنمويا بشدة ، فيها ما لا يزيد عن 12 طبيبًا مؤهلًا بشكل كامل، بنسبة مروعة للأطباء تبلغ طبيبًا لكل 870 ألف نسمة (Nyangoro, 2002). وبنهاية رئاسته في عام 1985، كانت الصورة قد تغيرت تمامًا. أصبح ثمة مراكز طبية في كافة المراكز الحضرية وثلث القرى. وأصبح استخدام المياه النظيفة مُتاحًا لأكثر من 60% من قرى البلد البالغ عددها ثمانية آلاف قرية ، وقدمت الدولة الرعاية الصحية والتعليم مجانًا، بل وغطّت تكاليف مواصلات الطلاب وانتقالاتهم إلى المدارس (Townsend, 1998). ورغم أن سياسات تنزانيا الاقتصادية في عهد نيريري كانت تعني تحقيق بلدان مجاورة مثل كينيا لعوائد تصدير أعلى، فالمسار الإنمائي التنزاني حقق أساسًا أعرض وأقوى من المكاسب التنموية لعامة الشعب، إذ تحرّى تعريفًا مختلفًا للتقدم ومقاييس موجّهة لمصلحة المجتمع (Adésínà, 2009; Rodney, 1972; Townsend, 1998).
وبقدر أهمية إنجازاته الداخلية، فإن إرث نيريري الأممي ينهض كصرح عظيم في بنيان سيرته السياسية. كان مميزًا ليس كأحد الفلاسفة السياسيين من أصحاب الفكر الأصيل فحسب، في سياق الاستقلال الأفريقي، وليس لأنه صاغ مشروعًا يوائم واقع القارة التاريخي واحتياجاتها فحسب، إنما أيضًا بصفته صوتا أخلاقيا واستراتيجيا بارزا على الساحة العالمية. في ظل قيادة نيريري أصبحت تنزانيا ملجأً ومركزًا لوجستيًا لحركات التحرر في جنوب القارة. كان لمختلف حركات التحرر مَكاتبا في دار السلام، ومنها منظمات مثل المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) والمؤتمر الأفروعمومي (PAC) في جنوب أفريقيا، وجبهة التحرير في موزمبيق (FRELIMO) والاتحاد الوطني الأفريقي الزمبابوي (ZANU) والاتحاد الشعبي الأفريقي الزمبابوي (ZAPU) ومنظمة شعب جنوب غرب أفريقيا (SWAPO) في ناميبيا. ولقد أدّى هذا إلى تعضيد مكانة تنزانيا كمركز للنضال الإقليمي ضد الاستعمار. في تنزانيا تجسد التضامن ضد الإمبريالية أيضًا في استضافة البلد لواحدة من أولى سفارات فلسطين في أفريقيا، وقد افتُتحت سنة 1973 (في ذلك التوقيت كانت سفارة/مكتب منظمة التحرير الفلسطينية فقط) (Magama, 2020)، وظلت تنزانيا منحازة إلى الموقف الأفروعمومي المبكر حول التضامن مع القضية الفلسطينية. وتجسد الموقف التنزاني المناهض للإمبريالية أيضًا في عدة أشكال من التضامن مع فيتنام وكوبا والصين منذ أواخر الستينيات، وعلى مدار السبعينيات، على المستوى الحكومي وأيضًا مستوى النشاط الطلابي داخل القُطر (Burton, 2024).
إذن ظهر نيريري عبر هذه السبل المختلفة كمحور فكري يُرتَكَن إليه ضمن حركة عدم الانحياز، وقد وضع رؤية مفادها عدم الانحياز دون تقيّد بالحيادية السلبية، بل المشاركة النشطة في تقرير المصير ومناهضة الإمبريالية وإعادة البناء الجذرية للنظام الاقتصادي العالمي الجائر. تجلّى الاعتراف العالمي بمكانته الرائدة عندما اختير رئيسًا للجنة الجنوب في عام 1987. هذا التجمّع من المفكرين ورجال الدولة من مختلف دول الجنوب كان ردًا مباشرًا على النظام العالمي الذي ينال من دولهم وبلدانهم. ولقد أكدت قيادة نيريري لهذه المبادرة على دوره كمفكر أصيل لتضامن الجنوب العالمي، وتقرير المصير، والتنمية. وفي وقت أقرب، عام 2009، منحت الجمعية العامة للأمم المتحدة لنيريري بعد رحيله لقب "البطل العالمي للعدالة الاجتماعية"، إذ أكدت أنه "ساعد على قيادة أفريقيا في الخروج من الاستعمار، وإلى نظام اجتماعي واقتصادي يضع البشر وليس تعظيم الأرباح في صميم العملية الاقتصادية" (Brockmann, 2009: 7).
وبينما يُعد إرث نيريري الدولي والإقليمي والوطني كبيرًا جدًا، يركز هذا المقال على رؤاه حول الفكر الصناعي والإنمائي. التحليل التالي يتناول الجوانب الاقتصادية لفلسفته، فلسفة "أوجاما" أو (Ujamaa)، ونهجه الإقليمي في التصنيع، ومحاور إطاره للسياسات الثلاث: السيادة، والتنمية، وإحلال الواردات. بعد هذا الاستعراض لأفكار نيريري، يفحص المقال أسباب تهميش إرث نيريري الفكري في الخطاب الإنمائي المعاصر، قبل اختتام المقال باستكشاف كيف يمكن لرؤاه وأفكاره أن تبصّر وتدعم النقاشات الجارية حول السياسات الصناعية في الجنوب العالمي المعاصر.
Illustration by Fourate Chahal El Rekaby
الأساس الفِلاحي: أوجاما كمسار نحو التصنيع
"بالنسبة لنا في أفريقيا، الأرض دائمًا مِلك للناس والمجتمع. لكل فرد في مجتمعنا نفس الحق في استخدام الأرض، لأنه بغير هذا لا يمكنه أن يكسب دخله، ولا يمكن أن ينال المرء حقه في الحياة إذا لم يتح له الحق في وسيلة للمعاش، للحفاظ على هذه الحياة".
أوجاما – أساس الاشتراكية الأفريقية، بقلم جوليوس ك. نيريري،
نُشر كمنشور لـ "تانو" في 1962.
أوجاما هو مصطلح سواحيلي يعني الجماعة والعائلة (أو المجموعة ذات الأواصر)، ولقد أصبح مرادفًا لفلسفة نيريري الاجتماعية-السياسية وتأطيره المميز للاشتراكية الأفريقية. لم يكن هذا مجرد موقف أيديولوجي، إنما مشروع سياسي متكامل يهدف إلى بناء الثقة بالنفس على المستوى الوطني. اعتمدت آلياته على قيادة الدولة والدعم الفني للتعاونيات الريفية، وتكوين مجتمعات زراعية تدير شؤونها بنفسها، وكل هذا موجّه نحو إحداث تحول في الإنتاج الزراعي (Sheikheldin, 2015). في قلب هذه العملية، تسعى أوجاما إلى التنسيق بين هدفين توأمين، هما المساواة والإنتاجية، وهما مفهومان رائدان متصلان بالبحث في التكنولوجيات الملائمة والتنمية التشاركية، وما زالا إلى اليوم محل اهتمام أكاديمي عالمي (Morehouse, 1979; Sheikheldin, 2018). من العناصر الجاذبة للغاية في إرث نيريري الفكري أن مفاهيمه هذه نُفذت على مستوى الدولة بالكامل – وهي من الأمور التي قلّما تتكرر بالنسبة للمفاهيم والأفكار تاريخيًا، أن يُتاح لها التجربة واسعة النطاق – بما يكشف عن إمكانات هذه المفاهيم على أرض الواقع، ويكشف أيضًا عن التحديات المصاحبة لها والاحتياجات من حيث السياسات اللازمة لتطبيقها.
اعتمدت رؤية نيريري للتنظيم الاشتراكي للعمل في أفريقيا – وتنزانيا على وجه التحديد – على مبدأين أساسيين. الأول هو المركزية الموضوعية للاقتصاد الريفي، الذي تنخرط فيه الغالبية العظمى من السكان ويولّد أغلب عوائد الدولة. ثانيًا، التقدير العميق لأساليب التنظيم الاجتماعي الأفريقية التاريخية، لا سيما أواصر القربى الممتدة وتقاليد المِلكية الجماعية. اقترن هذا برفض صريح للنموذج الاشتراكي المعياري أو فكرة تطبيق الاشتراكية عبر نموذج واحد على سياقات مختلفة. قال نيريري على طول الخط بأن المسار التاريخي لأوروبا – الذي حفّزته الثورة الصناعية – مختلف تمامًا عن المسار الأفريقي. من ثم، فالمسار الأفريقي للاشتراكية يجب ألا يكون محض تقليد لوصفات جاهزة واردة من الخارج (Nyerere, 1977c). وقد نُقل عنه قوله، "إذا كان ماركس قد ولد في سامباوانغا [محلية في تنزانيا] كان ليصدر إعلان أروشا بدلًا من كتاب رأس المال" (Shivji, 2012: 108).
على هذه الأرضية، نظّر نيريري لمسار تنزانيا نحو المساواة والاشتراكية، بالتركيز على ضرورة أن يكون مسارًا فِلاحيًا، يعتمد على الأصول الأساسية المتوفرة في القارة: الأرض والعمل والقيم الجماعية والمجتمعية القائمة بالفعل. برر هذا النهج بالبراغماتية وانطلاقًا من ضرورات الحفاظ على السيادة. أولًا، لم يكن في تنزانيا رأسمال كبير أو خبرات متخصصة لإطلاق التنمية التنزانية عبر الصناعة الثقيلة على نطاق واسع. كما قال بأن الاعتماد على المصادر الخارجية في تأمين هذه الموارد يعني المخاطرة بسيادة البلد السياسية التي نالتها بشق الأنفس، مع تهيئة أشكال جديدة من التبعية. ثانيًا، ومن بين الخيارات الخاصة بتنظيم الزراعة نفسها، تبين له أن التكاليف العالية لأدوات الزراعة الحديثة تجعل الملكية الفردية بعيدة المنال بالنسبة للغالبية العظمى من الناس. إذن رأى أن تحقيق الكفاءة الإنتاجية التي تضع موارد البلد في إطار التشغيل السليم تقتضي الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج الزراعية، مع قيام الدولة بتنظيم ودعم هذه الملكية الجماعية، بشكل تُمثِـّـل من خلاله الدولة مواطنيها بالأفعال وليس بالأقوال فقط.
وتكررت هذه المقولات والأفكار في خطابات نيريري للشعب على مدار الستينيات. وصاحب تقديمَه للأفكار أمثلةٌ حية من انتقال أفريقيا للتحرر، وذكر أهمية المشروعات السياسية والإنمائية المناسبة للسياق الأفريقي. هذه الأفكار والحجج والمقولات هي التي شكلت المهاد الأيديولوجي لمشروع أوجاما للقرى الجماعية (villagisation). ظهر تصور مفاده أن قرى أوجاما ستكون وحدات سكنية وإنتاجية-زراعية متكاملة، تُفلح بشكل جماعي باستخدام خدمات الدولة، وتوزع المهام والأرباح عبر آليات ديمقراطية وتعاونية. وبعد تأسيس هذه القرى جرى تأميم الأراضي التي استولى عليها الاستعمار، وتهيئة نظم للانتفاع من الأراضي بموجب الإيجار، بقيادة الدولة، على ما تبقى من أراضٍ زراعية (Patnaik et al., 2011). في المرحلة الأولى للمشروع بين 1968 و1973، أحفّ به الدعم الشعبي الكبير، وزادت العوائد الزراعية للدولة خلال السنة الأولى، وكان الأداء في ملف الزراعة أعلى من التدفقات المالية الأجنبية غير الموثوقة والمتراجعة الأحجام (Ibhawoh & Dibua, 2003). لكن كان الاحتفاظ بهذا الاندفاع الأول صعبًا، فقد تباطأت حركة المشاركة الطوعية، ويُعزى هذا بقدر كبير إلى غياب الحوافز المالية المباشرة للمزارعين الأفراد. أدى ذلك إلى تغير في السياسات، إذ بحلول عام 1973 راجع نيريري مسار القرى الجماعية التطوعي والتحفيزي، وجعل العيش في زمام القرى إلزاميًا على جميع سكان مناطق الريف.
ولقد أدت ضرورة زيادة الإنتاجية ضمن إطار عمل أوجاما إلى تجاوز سياسات نيريري لزمام الزراعة. فقد ذكر أن النساء الريفيات كن يعملن ساعات طوال، في حين تحافظ قطاعات أخرى من السكان على جداول عمل لا تتواءم مع ضرورات التنمية الوطنية (Nyerere, 1977a). كما طالب بإعادة التفكير – بشكل جذري – في التعليم، داعيًا إلى إعادة تصميم المقررات المدرسية وبنى التعليم – بما يشمل سن الالتحاق بالتعليم – بما يؤدي لإخراج أفراد مجهزين بالقدرة على خدمة مجتمعاتهم ودعمها، بدلًا من إتاحة التقدم لقلة من أصحاب الامتياز التعليمي (Nyerere, 1977d).
والأهم أن تركيز أوجاما على الفِلاحة والريف لم يقترن بأي رفض مبدئي للتحول الصناعي، إنما كان الغرض هو اعتبار النهوض بالفلاحة مرحلة ناقلة إلى مرحلة التحول الصناعي. أطّرت فلسفة أوجاما الزيادة المتوقعة في الإنتاجية الزراعية بصفتها مطلب يسبق تهيئة فائض رأس المال اللازم لتمويل التوسع الصناعي. وفي الوقت نفسه، اشتمل النموذج على إدارة صناعات صغيرة النطاق تعاونيًا، لتصنيع المنتج الزراعي. هذه الصناعات الصغيرة – حسب التصور والتصميم المخصص لها – لم تكن مصانعا هائلة، بل صناعات صغيرة لامركزية تستعين بالعمالة المحلية والمواد الخام المحلية دون الاحتياج إلى استثمار رأسمالي هائل. أما بالنسبة لمرافق الصناعة الاستراتيجية المطلوبة لخدمة السوق الوطنية، مثل مصنع نسيج "الصداقة" المدعوم صينيًا، فقد أعلى نيريري أولوية الكفاءة اللوجستية، ووضع تلك الصناعات في المراكز الحضرية حيث تتواجد بنى تحتية بالفعل بما يقلل من التكاليف الإضافية اللازمة لإنشاء هذه الصناعات (Nyerere, 1977b). من ثم، نصّت فلسفة أوجاما على التقدم الجدلي، حيث تحوّل القطاع الزراعي يضع المهاد المادي والاجتماعي لمسار تنزاني لامركزي فريد من نوعه، نحو النماء الصناعي. لكن ثمة مثلب كبير في هذا النموذج، هو أنه أغفل الصراع الطبقي في المجتمع التنزاني، ما سمح للفلاحين الأكثر ثراء باستخدام القرى في تمديد وتدعيم مصالحهم (Shivji, 1970).
Illustration by Fourate Chahal El Rekaby
سياسة الاعتماد الذاتي الصناعية: حرية وتنمية
"نحن مرتاحون الآن بقدر معقول، فسعر الصرف الأجنبي ليس من مشكلاتنا الراهنة. لكن علينا أن نضمن ألا تصبح هذه مشكلة مستقبلا، ويمكننا أن نفعل هذا من خلال تنويع صادراتنا، ومن خلال التنمية الحثيثة لصناعات إحلال الواردات".
من كلمة ألقاها جوليوس ك. نيريري بمناسبة وضع حجر أساس بنك تنزانيا – دار السلام، 9 ديسمبر 1966.
مثل كل روافد مشروعه السياسي، كانت السياسات الصناعية لنيريري موجهة بالأساس نحو الأهداف الكليّة الخاصة بتحقيق الاعتماد الذاتي في تنزانيا وتأمين الحرية والتنمية لشعبها. وكانت الصلة الضمنية بين الحرية والتنمية من إسهامات نيريري الفكرية الكبرى؛ فقد وضع هذه الرؤية وقت أن كان الخطاب السائد حول التنمية لا يتعاطى مع مفهوم الحرية. في فلسفة نيريري، تعتمد الحرية – بما يشمل السيادة الوطنية والحرية من الجوع والفقر وضمان الحريات الفردية – على أسس مادية وفكرية. حيث تعتمد على تزايد الثروة والمعرفة المتوفرة في المجتمع، أي تعتمد على التنمية. وفي المقابل – كما قال – فإن التنمية الحقيقية لا تتحقق إلا بتوجيه من شعب حر ودولة ذات سيادة قادرين معًا على تحقيق مصالحهم باستقلال من الخضوع للخارج (Nyerere, 1973). هذا الإطار الجدلي هو الذي شكّل استراتيجيته الصناعية، كما يتبين من المنطق الذي وضعه لصناعات إحلال الواردات، وقد بررها – أي إحلال الواردات – بصفتها ضرورية لتحرير الأمة من الوهن والاعتمادية نتيجة للاحتياج المُزمن إلى النقد الأجنبي.
وكان إعلان أروشا لعام 1967 إلى حد بعيد هو المهاد والبرنامج لأجندته. ولقد ربطت هذه الوثيقة الصادرة عن "تانو" والتي كتبها نيريري بنفسه – وبشكل صريح – بين ملكية وسائل الإنتاج وأهداف الاعتماد الذاتي ونهوض الصناعة الوطنية. فرض الإعلان ملكية الدولة لقطاع عريض من الأصول الاستراتيجية، وتشمل "الغابات والمعادن والمياه والنفط والكهرباء والإعلام والاتصالات والبنوك وشركات التأمين وتجارة الواردات والصادرات وتجارة الجملة وقطاعات الحديد والصلب وصناعة الآلات والأسلحة والسيارات والإسمنت والأسمدة وصناعة النسيج، وأي مصنع كبير يعتمد عليه قطاع كبير من الناس في معاشهم، أو أي مصنع ينتج مكونات ضرورية لصناعات أخرى، والمزارع الكبيرة، لا سيما التي تنتج مواد خام ضرورية للصناعات الهامة". وفي مقال تحفيزي هام نشره بعد شهر من نشر إعلان أروشا (Nyerere, 1968a)، أوضح نيريري أن بعض القطاعات يجب أن تكون مملوكة للدولة بشكل صريح ومباشر. وصف هذه القطاعات بأنها السبل الأساسية للإنتاج والتبادل، وتشمل المعادن والكهرباء والاتصالات والأسمدة والقطاعات التي تقدم المواد الخام المطلوبة للصناعات الأساسية. كما أضاف صناعة الأسلحة، وذكر أنه يجب ألا يكون لأي مستثمر في القطاع الخاص نصيب في أدوات الموت هذه. وإذا أمكنَ أن تضم القطاعات الأخرى مستثمرين، فالدولة يجب أن تسيطر على نصيب الأغلبية فيها. سرعان ما جرى تفعيل هذه المبادئ عبر برنامج ضخم للتأميم والاستثمار بقيادة الدولة. وزادت راديكالية هذه السياسة في منشور صدر عام 1968 بعنوان "الاشتراكية والتنمية الريفية" (Nyerere, 1977c)، وفيه اقترح نيريري ضرورة أن تكون أنصبة الحكومة في الشركات المشتركة بين القطاعين العام والخاص – كلما أمكن – مملوكة لتعاونيات العمال، ما يعمّق من نموذج ملكية المواطنين. وفي المقال نفسه، شدد نيريري أيضًا على أهمية الانتفاع بأرباح الشركات العامة (أو كما تُسمى اليوم الشركات المملوكة للدولة) في التنمية الوطنية ولأجل تحقيق الرفاه الوطني.
أدى هذا الإطار إلى نهوض عدة شركات عامة مخصصة لقيادة الاقتصاد من أعلى، وتشمل شركة الكهرباء التنزانية (تانيسكو)، والشركة الوطنية للتنمية وهي شركة قابضة تضم شركات للدولة في قطاعات الإسمنت والنسيج والجعة وغيرها من السلع الاستهلاكية. واستكمل نيريري نموذج الملكية العامة هذا بسياسات عمالية تقدمية، اشتملت على فرض حد أدنى للدخل على المستوى الوطني. وكان نهجه في تنظيم السوق براغماتيًا إلى حد ما. في خطاب رئاسي سنة 1967، تحدث عن تعقيدات السيطرة على الأسعار، وقال بأن توحيد الأسعار على مستوى البلد لن يتحقق إلا إذا دعمت الدولة وسائل النقل لكي تفرض قاعدة متساوية من التكاليف التي يتحملها الباعة (Nyerere, 1977a). واستخدم هذا المثال للتحذير من أدوات السيطرة الدوغمائية التي تُنفذ بشكل متعجّل وتتجاهل التفاوتات الاقتصادية الجهوية/المحلية داخل البلد. وتلخص الحل الذي اقترحه في تخفيف تعقيدات السيطرة على الأسعار من خلال إنشاء مجلس وطني يتولى هذه المسألة.
وفي 1970، أصدر نيريري قرارًا رئاسيًا يقضي بـ "مشاركة العمال" في الشركات العامة. تأسست بموجب هذا التعميم مجالس عمالية مكونة من ممثلين عن العمال والإدارة العليا، كجهة استشارية في مجالس الإدارات بالشركات. صُممت هذه المبادرة لتقليل الخلافات في الصناعة، وللتصدي لاغتراب العمال وتحسين الإنتاجية من خلال العمل على الملكية الجماعية. لكن في الفترة التالية – من 1971 إلى 1976 – استجدت خلافات كثيرة وإضرابات في قطاع الصناعة. أعزى الباحثون هذه الاضطرابات إلى سياسة استبقاء العاملين بالإدارات من مرحلة ما قبل التأميم، ودخول اتفاقات إدارة مع نفس الشركات متعددة الجنسيات التي أُممَت أصولها (Shivji et al., 2020). ولّد هذا صراعًا طبقيًا شديدا وغير منظّم بين العمال على جانب وبين الإدارة ورأس المال الأجنبي على الجانب الآخر. وظهرت عواقب تجاهل الصراع الطبقي المحلي وما صاحبه من تبعات سلبية في قطاع الصناعة كما ظهر في قطاع الزراعة.
وفي خضم عملية إعلائه لأولوية القطاعات التي من شأنها تيسير الاعتماد الذاتي من خلال إحلال الواردات البسيطة وتصنيع المنتج الزراعي، لم يستبعد نيريري بذل الجهود للسعي وراء حيازة التكنولوجيا الجديدة. لكن توظيف التكنولوجيا كان استراتيجيًا بالأساس. على سبيل المثال، شدد نيريري بوضوح على أن الهدف الأول ليس تبني وتعميم الماكينات الأحدث في العالم، إنما الانتفاع بالتكنولوجيا بالقدر المناسب وفي حدود مستوى المهارات لدى قوى العمل المحلية، ما يؤدي إلى تجنّب التبعيات الجديدة للخبرات الأجنبية (Nyerere, 1977b). على الجانب الآخر، استثمرت تنزانيا أيضًا في مشروعات استراتيجية طموحة للتعجيل بتطوير قدراتها التكنولوجية الوطنية. من الأمثلة الهامة هنا عملية التعلم التكنولوجي بمجال محركات السيارات. بقيادة منظمات بحث وتطوير تكنولوجي تنزانية (Research and Technology Organizations ويُشار إليها باختصار RTOs أو منظمات البحث والتطوير) ومركز تكنولوجيا السيارات التنزاني (تاتك) وهيئة التصميم الهندسي والصناعي (تيمدو)، نجح مشروع استراتيجي بتمويل حكومي في محاكاة وتصنيع محرك احتراق داخلي معقد التصميم.2 هذا المشروع الذي بدأ أثناء تولي نيريري للسلطة وانتهى في مطلع التسعينيات بعد خروجه من السلطة، يُظهر القدرات المحلية العالية للتصنيع المتقدم المستوى وكيف جرى تدريب جيل من المهندسين والفنيين التنزانيين. في النهاية، لم يجر التوسع في تصنيع هذا المحرك تجاريًا، نتيجة لتراجعات وانتكاسات سياسية لاحقة، وبسبب ضغوط إعادة الهيكلة بعد حكم نيريري (1961-1985). لكن المشروع شاهِد حي وقوي على البنى التحتية التقنية والمؤسساتية التي ظهرت في سياسة نيريري التصنيعية والاقتصادية والتعليمية. يُظهر هذا المثال أنه بينما لم تكن سياسات نيريري الصناعية بدون عيوب وكان من الممكن أن تتحسن، فهي رغم ذلك تركت إرثًا به قصص نجاح قوية تستحق التعلم منها. وهذه المقولة تسري على بلدان الجنوب العالمي التي تواجه حاليًا تحديات مشابهة، ولها نفس المطامح بالاعتماد على الذات، وبالحرية والتنمية.
Illustration by Fourate Chahal El Rekaby
التكامل الإقليمي كنموذج للاعتماد الذاتي الجماعي
"لا يمكننا بناء خمسين مجمّع للحديد والصلب في أفريقيا في الوقت الراهن؛ لو فعلنا ذلك فسوف تحقق كل من هذه الصناعات خسارة ثقيلة لا يمكننا تحمّلها... إننا بحاجة لتنسيق استراتيجياتنا الصناعية، وأن نتبادل المعلومات التقنية، وأن نتوصل إلى سبل لتركيز هذه الصناعات".
جوليوس ك. نيريري، مخاطبًا منظمة الوحدة الأفريقية – 28 أبريل 1980
في معرض تقديمه لفلسفته الخاصة بالاعتماد الذاتي، أوضح نيريري بشكل كامل أنها لا تعني العزلة، إنما هي شرط سابق لتحقيق شكل أكثر مساواة من التعاون الدولي. قدّمت رؤيته "الاعتماد الذاتي" كمحور أساسي للسيادة الجماعية، حيث يمكن للأمم المتحررة من التبعية أن تنخرط في شراكات حقيقية، ومثاله الشهير عن صناعة الصلب يوضح هذا المبدأ بجلاء. هنا، يرى نيريري أن دولة واحدة تفتقر إلى رأس المال الكافي لن تتمكن من تحمل كلفة صناعة الحديد والصلب المحلية، وهي الصناعة التي تُعد من أسس التنمية والتصنيع المعاصرين. لكن إذا أُعد للاستثمارات بشكل جماعي بين الدول المتجاورة وجمّعت في ما بينها مواردها، تتحقق الجدوى الاقتصادية لمثل هذا المشروع. هذا النموذج لا يقلل التكاليف الفردية فقط، إنما يضمن أيضًا أسواقا متكاملة أكبر لإنتاج المصنع، ما يعني تحويل هذا المشروع من حلم وطني مستحيل إلى مشروع إقليمي متحقق وقوي.
ولقد قال نيريري إن الوحدة الاقتصادية يجب أن تدعم التحالفات السياسية، وكانت هذه الفكرة مركزية في خطابه الافتتاحي للاجتماع التحضيري لسنة 1970 لمؤتمر حركة عدم الانحياز في دار السلام (Nyerere, 1974). أكد نيريري حينئذ على الرسالة الأساسية لعدم الانحياز كونها "تأكيد حق الدول الصغيرة والدول الأضعف عسكريًا في تحديد سياساتها بما يحقق مصالحها". وأكد على بقاء هذا الحق السياسي كلمات على ورق إذا لم يُدعم اقتصاديًا، وقال إن الوهن الاقتصادي هو ما يسمح "للقوى الكبرى" بفرض إرادتها على الأمم الأضعف، حتى بدون الحاجة إلى تفعيل القوة العسكرية. وتوصل إلى نواقص رأس المال والخبرات التقنية في الجنوب العالمي، التي تعيق قدرته على مفارقة مرحلة الوهن الاقتصادي. من ثم، حاجج نيريري بضرورة أن تصبح حركة عدم الانحياز تحالفًا اقتصاديًا أيضًا. وذكر أمثلة عملية لذلك منها التشارك في الاستثمارات الصناعية، ومشاريع البنية التحتية المشتركة واتفاقات التجارة المصمَّمة لبناء قدرات إنتاجية وتهيئة أسواق تفضيلية تغذّي التزام الحركة الأصيل بالاستقلال السياسي الحقيقي.
ولقد دَرستْ هذه الرؤية وفصَّلتها لجنةُ الجنوب (أو مفوضية الجنوب)، وهي مبادرة رفيعة المستوى ظهرت عام 1987 مكونة من قادة ومفكرين بارزين من الجنوب العالمي، وقد أسستها حركة عدم الانحياز وترأسها نيريري.3 ونُشر تقرير اللجنة الهام بعنوان "تحديات الجنوب" في 1990 (Nyerere & Independent Commission of the South on Development Issues, 1990) وفيه إطار عمل فكري وسياساتي للتعاون بين دول الجنوب في ما يتعلق بمبادرات التنمية الكبرى. استعرض التقرير – من بين جملة مخرجات أخرى – ترتيبات التجارة العالمية والعمل الجماعي، وإمكانات التكامل الإقليمي على جبهات الصناعة والتكنولوجيا، وهي أطروحات كانت مختلفة نوعيا عن النماذج النيوكولونيالية والنيوليبرالية المهيمنة في ذلك التوقيت. وفي الوقت نفسه طالب التقرير بمسارات تنموية تتبنى الاعتماد على الذات بناء على قاعدة قوية من التضامن الجنوبي.
وكما تأكد التزام نيريري بأفكار التكامل الإقليمي من خلال جهوده الفكرية، فقد تأكد أيضًا في جهوده السياسية العملية نحو توحيد الأمم الأفريقية، من خلال أُطر منها تنظيم منطقة تجارة تفضيلية لشرق وجنوب أفريقيا. هذه الجهود الفكرية والسياسية لم تكن هامشية في مشروع نيريري، إنما مثلت امتدادات منطقية لهذا المشروع. كانت جزءًا من استراتيجية واضحة لبناء قاعدة اقتصادية إقليمية قوية بما يكفي لتحمل ضغوط النظام العالمي المناوئ، ولتأمين مستقبل تضمنه السيادة الجماعية.
Illustration by Fourate Chahal El Rekaby
تآكل إرث نيريري: لماذا خفت صوته بين روافد الخطاب السائد؟
لدى نشر تقرير لجنة الجنوب في عام 1990، طلبت الجمعية العامة للأمم المتحدة من جميع هيئاتها دراسة توصياته والاهتمام بها في أعمالها. في العام نفسه، نُشر أول تقرير للتنمية البشرية، بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. في ذلك الحين، بل ومنذ أواخر الستينيات، كان نيريري قد ألّف عدة كتب نشرتها مطبعة جامعة أوكسفورد، وقد قوبل بعضها بإطراء كبير من مُراجعي الكتب. وفي السبعينيات ومطلع الثمانينيات، كان اسمه معروفًا في الدوائر المهتمة بالحوكمة والتنمية في الجنوب، بما يشمل في الدوائر الأكاديمية المعتبرة في دول الشمال. بحلول أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات، كان نيريري لا يزال مؤثرًا في الدوائر المهتمة بالتعاون الجنوب-جنوبي. لكن بدءًا من أواسط التسعينيات أصبحت إسهاماته أقل شهرة، وقد تراجعت المعرفة بها إلى حد بعيد بحلول الألفية الجديدة. تزامن هذا مع حقبة شددت فيها النيوليبرالية قبضتها على السياسة في أفريقيا ومجال دراسات التنمية الأكاديمي، وكذلك بالتزامن مع هيمنة برامج إعادة الهيكلة وانتشار خطابات التنمية التي روجت لها المؤسسات المالية الدولية. كان هناك رغم ذلك بالطبع "جيوب مقاومة" صغيرة، في دوائر باحثي التنمية وصناع السياسات الإنمائية، استمرت في إنتاج أدبيات مهمة توثق "تلك الأوقات العصيبة" على التنمية الأفريقية (مثال: Adésínà, 2009; Mkandawire, 1999, 2001). لكن الصورة العامة كانت قاتمة.
في تلك اللحظات، كان المناخ الغالب هو نقيض مواقف نيريري المناهضة للإمبريالية والمطالبة بالاشتراكية والحراك الأفروعمومي، في ملف التنمية وعلى مسار تعزيز نموذج الدولة التنموية والسياسات الصناعية والاعتماد الذاتي والتعاون الجنوب-جنوبي. زادت جرأة المؤسسات المالية الدولية بسبب الخطابات السياسية والاقتصادية التي أثبطت الهممَ عن اعتناق النموذج الذي قدمه نيريري. ومن حين لآخر كان اسم وإرث نيريري يُذكَران ذكرًا شرفيًا، لكن كان هذا كل شيء. قلما تحدثت الأجيال المتعاقبة من باحثي التنمية الأفارقة (لا سيما الاقتصاديين) وصناع القرار في أفريقيا أو مدراء منظمات المجتمع المدني الأفريقية و"النشطاء" أو مستشاري المؤسسات المالية الدولية، عن نيريري أو إرثه الفكري. بل لم يعرف الكثيرون بأعماله الفكرية من الأساس.4 الحق أن هذه المعاملة لم تستهدف إرث نيريري فحسب، إنما يسري هذا القول أيضًا وبدرجات متفاوتة على إرث عدد من قادة التحرر الوطني الأفارقة، مثل أمِلكار كابرال وروبرت سوبوكوي وآخرين. ومؤخرًا، عندما تُذكر بعض عناصر إرث نيريري، بما يشمل فترة أوجاما في تنزانيا، تُعرض كأجزاء من سرديات سلبية للتدليل على الإخفاقات والنجاحات المجهضة.
لكن في اللحظة الراهنة يمر هذا الإهمال بمرحلة من المراجعة. ثمة عدد من الباحثين الأفارقة المعنيين بالتنمية، وصناع السياسات الإنمائية، بدأوا في إعادة النظر في القضايا والرؤى المختلفة من عهد التحرر الوطني والعقود الأولى من الاستقلال السياسي (Adésínà, 2009; Oqubay, 2015; Sheikheldin, 2015). وعادت إلى الطاولة قضايا مثل الدولة التنموية والسياسات الصناعية والتكامل الإقليمي الأفريقي والتعاون بين دول الجنوب (Chang et al., 2016; Cramer et al., 2020; Sheikheldin, 2025; Wade, 2018). ومعها يشهد إرث نيريري بعثًا جديدًا من خلال عدسات فكرية تتعامل مع ذلك الإرث بتقدير عالي ونقد جاد معا.
ما أغفلته تجربة نيريري: الاشتباك النقدي مع إرثه
إن أي تناول وتقييم لإرث نيريري يقدره حق قدره يجب أن يكون نقديًا في الوقت نفسه. هكذا يمكننا البناء على الرؤى والنجاحات التي يمثلها هذا الفكر مع إعادة النظر في مثالبه النظرية والعملية. في هذا القسم، نسلط الضوء بشكل موجز على بعض مواطن النقد لإرث نيريري.
من النقاط الأساسية – نظريًا واستراتيجيًا – في الأسس الفلسفية لفكر نيريري الإخفاق المبكر في فهم الصراع الطبقي في تنزانيا المستقلة. في كتاباته التأسيسية، مثل إعلان أروشا، عالج نيريري "تنجانيقا/تنزانيا المستقلة" وكأنها منطقة خالية من الصراع الطبقي لم تلوثها بعد الصراعات والخلافات بين الطبقات في مجتمع ما بعد الاستعمار. لقد رأى نيريري فرصة لإعادة البناء قبل ظهور علاقات الإنتاج الرأسمالية، لكن عدة باحثين جادين في إرث نيريري الفكري اعتبروا هذه النقطة من الجوانب الإشكالية في إطاره النظري، نظرًا لأن مجتمع تنجانيقا/تنزانيا كانت قد ظهرت عليه بالفعل بوادر التناقضات الطبقية بمرحلة ما بعد الاستعمار (Rodney, 1972; Shivji, 1970). هذه المثالب النظرية والاستراتيجية انعكست بطبيعة الحال في إطاره الخاص بالتخطيط وصناعة القرار.
إضافة إلى ذلك، فإن مرحلة القرى الجماعية الإجبارية (أو التجميع القروي) لتنفيذ أوجاما – ناقشناها سلفًا في هذا المقال – أصبحت الهدف الأساسي لانتقادات مشروع أوجاما وإرث نيريري بالكامل. بينما ثبت بشكل خطير غياب اتساق المرحلة الإجبارية من تسكين الفلاحين مع فكر وممارسة أوجاما في المجمل – ولهذا السبب فهي مرحلة مستحقة للانتقاد – هناك دراسات قدمت روايات متوازنة لمشروع أوجاما في المجمل (Freyhold, 1979; Hydén, 1980). ثمة جانبين من المهم تسليط الضوء عليهما في هذا الصدد. الأول هو أن التجميع القروي الإجباري سجل "نجاحات" في دول أخرى – فقد حقق الأهداف التي طُبق لأجلها، وتشمل أن ينتج الفلاحون فائضًا كبيرًا يمكن للدولة استثماره في التحول الاقتصادي والتصنيع كما تساعد على التخطيط الإسكاني الذي يسمح بتقديم الخدمات العامة وتنمية البنية التحتية للناس. فالتوطين الجماعي (التجميع) الزراعي في الاتحاد السوفيتي (Davies, 1980) وفي الصين "نجح" بذلك المعنى، أي حقق الأهداف المقصودة منه – واشتمل على قسر وإجبار أكبر مما حدث في مرحلة التجميع القروي الإجباري لأوجاما. بهذا المعنى، لا يمكن وصف التجميع القروي الإجباري نفسه بأنه "السبب" وراء فشل أوجاما.5 الأمر الثاني هو أن خطة أوجاما بدأت بالتجميع القروي الطوعي، ونجحت بقدر نسبي في تلك المرحلة. لكن دراسات فريهولد (1979) وهايدن (1980) وغيرهما سلطت الضوء على جملة من العوامل الخارجية – تشمل الجفاف المطول غير المتوقع في تنزانيا والتدخلات الإشكالية من هيئات مثل البنك الدولي – أسهمت في تزايد الضغوط. وكان من العوامل الأخرى تباطؤ معدل التجميع القروي الطوعي (على النقيض من المرحلة المبكرة لأوجاما). وفي نهاية المطاف، بعد نجاح مبكر، عانت خطط أوجاما في التنفيذ المستمر. وكان التجميع القروي الإجباري بمثابة محاولة إنقاذ لم تحقق النتيجة المرجوة منها، لكنها لم تكن هي نفسها السبب في الإخفاق. في هذا السياق، يحمل النجاح النسبي لأوجاما من الدروس المستفادة نفس القدر من الدروس المستفادة كذلك من إخفاقات المشروع.
بعض الدراسات كذلك تسلط الضوء على التضارب بين الاستراتيجية والإدارة التشغيلية في مشروع أوجاما بصفة ذلك التضارب إشكالية أخرى من إشكاليات إرث نيريري (Sheikheldin, 2015). هذه الحجة تسلط الضوء على المثالب والمشكلات التقنية والإدارية. والحق أن نيريري نفسه قد ذكر بعض هذه المشكلات التقنية والإدارية، كنقد ذاتي للتجربة. مثلًا: أفكاره حول خطأ التعجّل في تأميم بعض الصناعات قبل ضمان توفر ما يكفي من القدرات البشرية والمؤسسية في القطاع العام التنزاني لإدارتها بشكل جيد؛ الأمر الذي فتح كذلك بابًا خلفيًا للشركات الأجنبية التي كانت تملك تلك الشركات الصناعية، لكي تعود من خلال عقود إدارة.
وهناك انتقاد آخر، أنه رغم انشغال نيريري بمكافحة الفساد وسياقه والتعامل مع فساد القيادة السياسية، فهو لم ينجح في نهاية المطاف في إعادة إنتاج وتوسيع نموذج قيادته رفيعة المستوى في النخبة الحاكمة. كما أوضح بعض الباحثين، وقت أن تنحّى نيريري عن رئاسة تنزانيا، لم يكن في الصفوف الأولى للحزب الحاكم من هو مستعد للدفاع بشكل صريح عن مشروعه، وفي هذا دلالات مهمة. في أيامه الأخيرة، أصبح نيريري واعيًا أكثر بالحاجة إلى إحداث تحولات في جهاز الدولة والنخبة الحاكمة، وكذلك في المشهد الاجتماعي-السياسي والاجتماعي-الاقتصادي بشكل أعم. في 1995، أثناء اجتماع عام للحزب الحاكم (حزب الثورة، CCM)، قال مقولته المشهورة "التنزانيون يريدون التغيير، وإذا لم يجدوه في الحزب سوف يسعون إليه خارج الحزب".
في المجمل، فإن ما أغفلته تجربة نيريري دال للغاية وبشكل عميق؛ فهو يوضح لنا أن أي سياسة تقدمية (اقتصاديًا) يجب أن تُصمَم بموجب تحليل واضح تمامًا لبنى القوى الوطنية، لكي تتجنب أن تهيمن عليها البرجوازية الكمبرادورية والطبقات الريعية عليها أو أن تتحول إلى نسخة من "التنمية" التي تروّج لها المؤسسات والقوى النيوليبرالية. ومن الدروس المستفادة أيضًا أنه بغض النظر عن مدى صحة النظرية، ففي غياب استراتيجية جيدة لا يمكن للنظرية أن تثبت نفسها. ودونما تنفيذ فعال، وبناء القدرات من أجل ذلك التنفيذ، فلن تسود استراتيجية سليمة. في تعاملنا مع إرث نيريري إذن – وإرث غيره من المفكرين الرؤيويين من ماضينا – علينا أن نتذكر المبدأ الأساسي القائل بأن "الرؤية تُلهم، والممارسة تُعلّم" (Shivji, 2008).
Illustration by Fourate Chahal El Rekaby
استعادة الإرث: بوصلة نيريري من أجل جنوب عالمي جديد
إن التهديدات البنيوية التي شخّصها نيريري في الستينيات من القرن العشرين قد تجسدت قوية في صورة أصفاد تقيد التنمية في الجنوب العالمي حاليًا. مخاطر التبعية الاقتصادية وإخفاق المشروع النيوليبرالي والصلة القوية بين السيادة الوطنية والحرية الإنسانية، كلها ليست بالحواشي التاريخية، إنما هي حقائق مُعاشة. في الواقع، رغم أن الخطاب النيوليبرالي بدأ يفقد أرضيته على جبهة الدوائر الأكاديمية وفي الممارسة، فهو ما زال يهيمن على السياسة. تزايدت أعباء الديون على أقطارنا، ما منح المؤسسات المالية الدولية قدرة غير مسبوقة على إملاء السياسات الداخلية. وبينما نحن بصدد أفول لحظة "القوة العالمية الكبرى" الوحيدة، فظهور عالم متعدد الأقطاب ليس ضمانة بالخلاص من هذا الوضع. بدون وضع استراتيجيات جماعية واضحة وتجديد المبادرات المتعلقة بالسيادة الجماعية التي تعلمناها من حركة عدم الانحياز ولجنة الجنوب والتجارب الأخرى، يُخاطر الجنوب العالمي بألا يحدث له شيء سوى إحلال سادة جدد بدلًا من السادة القدامى.
إن الأزمات الوجودية الجديدة تفاقم من التحديات المزمنة، وتشمل: انعدام اليقين فيما يخص تغير المناخ، والنزوح بسبب الحروب والنزاعات، والجوائح. مثلُ حالات الطوارئ هذه – في تاريخنا الحديث – كثفت من الاحتياج إلى الاعتماد على الذات في السلع الاستراتيجية واستدعت ضرورة توفر نظم رفاه اجتماعي قوية تكفلها الدولة.
في هذا المشهد المعقد، يمكن لطرح نيريري في صياغة العلاقة الجدلية بين الحرية والتنمية أن يقدم بوصلة لا غنى عنها لصوغ السياسات الصناعية. فهو يوجهنا نحو نماذج تتمركز حول الناس، وتعلي أولوية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية. إن فلسفته، التي يقودها هدف توسيع نطاق الحريات، توفر إطارًا هامًا لا غنى عنه للسير على خيط رفيع بين التنمية والإفقار. إنه يتحدانا كي نرسم مسارات نحو التحول الصناعي لا تقود إلى الحدّ من الحرية عبر الانهيار البيئي والحروب على الموارد أو اللامساواة في توزيع الثروة. كما أن تجاربه الموسعة حول الملكية الجماعية وملكية العمال والديمقراطية المباشرة – حتى وإن لم تكن ناجحة بالكامل – ما زالت بمثابة مخزن لا غنى عنه للمعرفة العملية. إنها تقدم لنا – على سبيل المثال – رؤى مهمة حول محاولاتنا المعاصرة لحل المعضلات المزمنة مثل تدخل الدولة والديمقراطية. وكما أوضح نيريري نفسه بجلاء: "إذا لم يشارك الشعب في الملكية العامة ولم يتمكن من السيطرة على السياسات ذات الصلة، فسوف تؤدي الملكية العامة إلى الفاشية وليس الاشتراكية. إذا لم يكن للناس سيادة، فسوف يعانون من طغيان بشع يُفرَض عليهم باسمهم" (Nyerere, 1968b).
كما أن مقترحات نيريري حول التكامل الإقليمي لها أهميتها البالغة بدورها في اللحظة الراهنة. في عصر تشظي سلاسل القيمة وتوزعها عبر العالم، والتسلح بأدوات اقتصادية مثل العقوبات والتعريفات الجمركية، يصبح منطق الاعتماد على الذات والتعاون بين بلدان الجنوب بشكل مستقل (أي بلا خضوع للإمبراطورية) ضرورة استراتيجية. وبينما يمكن ألا نعتبر تكتيكات نيريري في ملف التصنيع عبر تنمية الزراعة أولًا باعتبارها البرنامج الموحد الصالح لكل الحالات، فإن نهجه في تصميم خارطة طريق صناعية فيها توازنات بين الموارد المتوفرة والأهداف الإنمائية واضحة التعريف، دليل قوي على أهمية تحري السياسات الملائمة المناسبة للسياق في مجال التحول الصناعي.
ثمة دافعية فكرية مُلحة لاستعادة إسهامات "مواليمو"6 ج. ك. نيريري في نقاشات التنمية والسياسات الصناعية. إن إرثه ليس مجرد أثر من الماضي ينتمي للأرشيفات، بل هو تقاليد حية في فلسفة الجنوب الاشتراكية، ومورد ثري ومهم وعملي لأي مشروع يسعى لبناء مستقبل تكون فيه الحرية هي نتاج النظام الاقتصادي العادل.