التصنيع الأخضر بالمغرب مطامح كبيرة وعوائق أعظم
تحقيق تحول أخضر حقيقي يتطلب سياسة صناعية سيادية، عادلة اجتماعيًا، ومستدامة بيئيًا، تمنح القرار للشعب، وتضمن سُبل عيش كريمة، وتواجه الضرر البيئي بدل تعزيز التبعية والاستخراج الربحي.
تؤكد هذه الدراسة أن التحول الأخضر الحقيقي يتطلب التحرر من التبعية وبناء سياسة صناعية سيادية وعادلة اجتماعياً وديمقراطية.
Descargar PDF
-
التصنيع الأخضر بالمغرب: مطامح كبيرة وعوائق أعظم (PDF, 5.18 MB)Tiempo medio de lectura: 90 minutos*
-
Green Industrialisation in Morocco: High Aspirations, Enduring Constraints (PDF, 5.32 MB)Tiempo medio de lectura: 90 minutos*
Autores
ملخص تنفيذي
في المغرب، لا النخب الاقتصادية ولا نظامها الحاكم، ناكِراً تغيّر المناخ وآثاره الكارثية على البلد. تعج الوثائق الرسمية بمفاهيم «التنمية المستدامة» و«الانتقال نحو الاقتصاد الأخضر» و«النمو الأخضر» و«إزالة الكربون»... إلخ. وقبل ذلك بعقود راود حلم التصنيع تلك النخب، منذ محاولة الحكومة التقدمية في نهاية الخمسينيات بناء اقتصاد وطني مستقل عن المستعمر القديم. اعتمدت الدولة آنذاك، بعد حسم الصراع السياسي بين الملكية ويسار الحركة الوطنية البرجوازية (حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية)، على القطاع العام لزرع اللبنات الأولى لصناعة مغربية (اقتصرت بشكل متعمد ومحدود على الصناعات الخفيفة) وإنماء برجوازية محلية، وتبنت آليات مثل الحماية وإحلال الواردات وقانون «مغربة الشركات»، لكن مع التركيز على استهداف الأسواق الخارجية، خصوصاً الأوروبية، عبر استراتيجية نمو موجهة نحو الصادرات. وكان تمويل هذا النموذج من التنمية أو التراكم الرأسمالي في صلب الصراع السياسي. وبعد حسم الملكية للسلطة السياسية، اعتمدت على المديونية الخارجية والضرائب غير المباشرة المفروضة على الاستهلاك كأساس لتمويله؛ أي تحميل الطبقات الشعبية كلفة إنماء رأسمالية محلية تابعة ستسقط ثمارها يانعة في يد البرجوازية المغربية والأجنبية في ما بعد.
ظهرت أزمة نموذج التراكم الرأسمالي هذه منذ نهاية سبعينيات القرن العشرين، بحفز من انخفاض أسعار الفوسفاط في السوق العالمية وتكاليف حرب الصحراء وتفجر أزمة المديونية. وفي عز تطبيق برنامج التقويم الهيكلي الذي كان وراء بوادر نزع التصنيع المبكر بالمغرب، كان حلم التصنيع لا يزال قائمًا، وقد نشرت جريدة لوموند سنة 1989 مقالًا بعنوان براق: "المغرب، 'تنينٌ' جديد على أبواب أوروبا".
بعد عقدي التقويم الهيكلي، وفي سياق انتقال الحكم من ملك راحل (الحسن الثاني) إلى ملك جديد (محمد السادس)، تبنت الدولة سياسات صناعية تعتمد الاستراتيجيات القطاعية القائمة على «المهن العالمية الجديدة»، وعلى رأسها صناعات السيارات والطيران والإلكترونيات، معلنة أن توفير المغريات للرأسمال الأجنبي المباشر كفيل بإغرائه للقدوم والإسهام في تصنيع البلد وتنويع نسيجه الإنتاجي. امتدت هذه الاستراتيجيات على مدى عقدين، وجرى تعديل أهدافها ومقتضياتها كل خمس سنوات، ولم تغير دفتها الأزمة الاقتصادية العالمية (2008–2009) ولا أزمة منطقة اليورو (2013) ولا أزمة كوفيد-19 (2020)، بل حفزت الدولة والرأسمال المغربي الكبير على السير في نفس السبيل المطروق: النمو القائم على التصدير واستقطاب الاستثمار الأجنبي والاندماج أكثر في سلاسل القيمة العالمية.
لتأمين استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر، أقدمت الدولة على سياسة استثمار عمومي كثيف، خصوصاً في البنية التحتية (المناطق الصناعية الحرة، الطرق السيارة، السكك الحديدية، المطارات، الاتصالات...)، وتحسين مناخ الأعمال عبر مراجعة قانون الشغل لجعله أكثر مرونة لتخفيض كلفة العمالة وحفز الاستثمار عبر تشجيعات جبائية وضريبية ومنح... إلخ.
رغم ذلك، وفي نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تتالت التقارير عن وصول هذا النموذج من التنمية إلى مداه، بدءاً من تقرير البنك الدولي سنة 2017، مروراً بتقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في نفس العام، انتهاءً بتقرير اللجنة التي كلفها الملك بصياغة وثيقة حول «النموذج التنموي الجديد» في أبريل 2021.
كانت الخلاصة واضحة وفادحة: رغم كل المجهودات الضخمة واندماج المغرب في سلاسل القيمة العالمية، لا يزال بلدنا غير مصنّع، وتجري توربة ذلك وراء عبارات مثل «ضعف مكاسب الإنتاجية» و«محدودية خلق فرص العمل» و«فخ البلدان متوسطة الدخل». وكان تقريران صادران عن بنك المغرب والمندوبية السامية للتخطيط واضحين حول هذا الأمر: لم تسفر سياسة الاستثمار العمومي رغم معدلاتها المرتفعة، مقارنة مع بلدان أخرى في المنطقة، عن تصنيع حقيقي، واشتكى بنك المغرب سنة 2019 من «ضعف الاستثمار الخاص، بالرغم من الحوافز العديدة الممنوحة»، وأعلن شكيب بنموسى، رئيس اللجنة التي كلفها الملك بإعداد النموذج التنموي الجديد: «النيوليبرالية خذلتنا وخيبت الآمال». لم تكن تلك التصريحات تعبيراً عن نية فعلية للتخلي عن «النيوليبرالية»، بل وكما كان الحال بعد الأزمة الاقتصادية العالمية (2008 – 2009)، ورغم تضمين الدولة في وثائقها مفاهيم مثل «النمو المحفز بالطلب الداخلي» و«السيادة الصناعية»، ظل محور سياساتها الاقتصادية هو نفسه: استقطاب الاستثمار الأجنبي وتطوير الصادرات والاندماج أكثر في سلاسل القيمة العالمية.
في سنة 2020 على إثر جائحة كورونا والإغلاق الاقتصادي الشامل، وبعدها حرب روسيا على أوكرانيا بدءاً من سنة 2022، وإعلان الاتحاد الأوروبي سيره الحثيث نحو الحياد الكربوني في أفق 2050، شهد نقاش «الانتقال نحو اقتصاد أخضر» و«النمو الأخضر» استئنافاً بعد أن كان قد انطلق منذ نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بإطلاق «استراتيجية الطاقة المستدامة 2009»، وإصدار وثائق عديدة، ضمنها ورقة بعنوان «الاقتصاد الأخضر، فرص لخلق الثروة ومناصب الشغل» صادرة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سنة 2012، وفي 2017 أصدرت الدولة «الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة – 2030»، متبعة إياها في يناير 2022 بإصدار «الميثاق الوطني للتنمية المستدامة». وقبل ذلك، في سبتمبر 2016، أصدرت الدولة «المساهمة المحددة وطنياً ضمن الاتفاقية الإطار للأمم المتحدة حول التغيرات المناخية»، وأصدرت نسخة معدلة منها في يونيو 2021. الوثائق والمبادرات الرسمية كثيرة جداً، ولا يسع هذا التقديم أن يفصل فيها، وسيجدها القارئ في متن الدراسة.
هذه الأدبيات حول «الانتقال إلى اقتصاد أخضر» و«الاقتصاد منخفض الكربون» تتميز شأن أغلب الأدبيات الصادرة عن المؤسسات العالمية بالتركيز على خفض الكربون كاستراتيجية أساسية لذلك الانتقال، دون نية للتخلي عن نموذج اقتصادي يدمر الكوكب. وليست انبعاثات الغازات الدفيئة سوى إحدى تجلياته. فالاستخراجية والفلاحة الموجهة للتصدير والنقل الخصوصي وحفز الاستثمار الخاص (المحلي، وخصوصاً الأجنبي) لا تزال هي نفسها الأعمدة التي تريد الدولة عبرها حفز ذلك الانتقال نحو الاقتصاد الأخضر وخفض الكربون.
تحترم الأدبيات الرسمية الصادرة عن الدولة ترسيمة المؤسسات المالية الدولية (وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) لتطبيق السياسات الصناعية والخضراء. الدولة تتدخل فقط عندما تخفق السوق وتعجز عن أداء مهامها. وعلى الدولة التركيز على المهام الاستراتيجية والتنظيمية، بينما تترك للقطاع الخاص المجال واسعاً لتحقيق عملية التنمية (ونضمنها المستدامة طبعاً). بل على الدولة استعمال المالية العمومية لحفز تدخل القطاع الخاص، ذلك باستعمال الحوافز، محل حلول مؤقتة حتى تصبح القطاعات المستثمَر فيها مربحة، وعندئذ تتخلى عنها الدولة بشتى الآليات: الخصخصة، الشراكة قطاع عام – قطاع خاص، التمويلات المبتكرة… عملياً لا جديد تحت شمس العقيدة النيوليبرالية وإجماع واشنطن.
حتى ما يُطلق عليها منجزات في مجال الطاقات المستدامة وخفض الكربون يحتمل الكثير من الشك. فلا يزال المغرب يرفل في التبعية الطاقية، إذ يستورد %90 من طاقته، فضلًا عن أن القطاع الخاص أصبح المحتكر الأكبر لهذا التزويد. بينما هناك شكوك كثيرة حول منجزات تخفيض نسبة الانبعاثات، إذ تفسرها دراسات عديدة بانخفاض معدل النمو المتوقَّع طيلة العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين مقارنة بالسيناريوهات المفترضة، وليس بتخفيف فعلي لتلك الانبعاثات.
لم تقتصر أدبيات الانتقال الأخضر على الوثائق والمبادرات الرسمية، بل انخرطت في ذلك نقابة أرباب العمل التي أصدرت وثيقة تحمل عنوان «مبادرة الشركات المناخية المغربية 2017-2018»، والبنك المركزي/ بنك المغرب مصدراً وثيقة «خارطة طريق القطاع المالي من أجل المساهمة في التنمية المستدامة ومحاربة تغير المناخ» في نوفمبر 2016، فضلاً عن إعلان المجمع الشريف للفوسفاط «برنامج الاستثمار الأخضر» للفترة الممتدة بين 2023 و2027. لكن يظل هاجس تنافسية المقاولات المغربية في المرتبة الأولى مقارنة بالأهداف البيئية، وضمنها تخفيض نسبة الانبعاثات وتحقيق اقتصاد خفيض الكربون. والنقاش حول هذين الهدفين محفز باعتبارات خارجية أكثر من إيمان عميق بالأهداف البيئية. فإعلان الاتحاد الأوروبي هدف الانتقال إلى الحياد الكربوني في أفق 2050، وتبني آليات مثل «ضريبة تعديل حدود الكربون»، يثير المخاوف من تقلص منافذ الولوج إلى السوق الأوروبية. لذلك سارعت الدولة إلى تحفيز المصدرين المغاربة للتكيف مع تلك الآلية بإعلان التزامهم بالأهداف المناخية.
كما أن السعي المحموم للحصول على التمويل المناخي يشكل أحد دوافع هذا الاهتمام الرسمي؛ فالدولة أصبحت مدمنة على التمويل الخارجي، ولا تفوت أية فرصة للحصول عليه. وكل الخطط القطاعية للدولة، سواء تعلق الأمر بالخدمات العمومية أو الأهداف الاجتماعية أو قضية إدماج النساء في التنمية، وأخيراً الأهداف المناخية، تربطها الدولة بشرط الحصول على التمويل. وهذا الأخير غالباً ما يكون ديوناً وليس منحاً، ما يرفع كلفة المديونية، التي تعد أحد عوائق تحقيق تلك الأهداف كلها.
هناك أيضاً مبادرات من المجتمع المدني مثل «الجمعية المغربية للاقتصاد الأخضر من أجل البيئة والعدالة المناخية»، ومراكز بحث وتفكير مثل «المركز من أجل الجنوب الجديد»، التي تقتصر أدبياتها على مخاطبة صناع السياسات والتقدم بمقترحات ملموسة لإغناء نفس منظور الدولة المشار إليه أعلاه، بينما تنفرد جمعية أطاك المغرب بمنظور بيئي مناهض للعولمة النيوليبرالية، وهو منظور دائم الحضور في أنشطتها ومبادراتها وأدبياتها. أما الحركة النقابية، ورغم أن الطبقة العاملة توجد في صلب الانتقال إلى اقتصاد أخضر، إما ضحية أو فاعلاً، فهي الغائب الأكبر عن هذا النقاش.
النقاش الحالي محفز بمشهد عالمي يشهد «عودة» للسياسات الصناعية في سياق مواجهة تغير المناخ، حيث أسفر الإجماع الجديد بشأن العمل المناخي عن تطوير حزم سياسات صناعية (قوامها في معظمها إعانات وحوافز) لتحفيز التطور التكنولوجي والإنتاج اللازمين لإزالة الكربون من الاقتصاد، مع إدراك بأن هذه السياسات لن تنجح بناء على العقيدة الأرثوذكسية النيوليبرالية. وثبتت حدود هذا الإدراك عندما تبين أن هذا التحول – خصوصاً من منظور دول الشمال العالمي – لم يكن انخراطاً في التخطيط الصناعي الشامل، بل استخدام أنظمة جديدة من التعريفات الجمركية والإعانات. وأضاف البعد البيئي إلى أبعاد الصراع الجيوسياسي العالمي بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، والصين من جهة أخرى (الحرب التجارية/ الجمركية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين).
تبحث النخب الحاكمة في المغرب عن موقع لها تحت شمس هذا النزاع وهذه التحولات، وتسعى إلى تكييف سياساتها الاقتصادية، علها تستفيد من هذا النقاش العالمي حول التحول نحو سياسات صناعية خضراء.
لكن يظل هذا السياق العالمي ذاته أكبر المعيقات في وجه سياسات صناعية خضراء. فهيكل الاقتصاد العالمي حيث تهيمن القوى الكبرى (الغرب والصين)، يجعل هامش التحرك نحو التصنيع الأخضر ضيقاً جداً في وجه دول الجنوب العالمي، ضمنها المغرب. وبذلك فإن ما يسمى «فرصة» السياسات الصناعية الخضراء قد تبدو سراباً إذا لم تجر قطيعة فعلية مع السوق العالمية وفك الارتباط معها، بشكل ينهي تبعية البلد الاقتصادية والسياسية للدول والشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات المالية الحاكمة لتلك السوق العالمية. هذا المنظور ليس مطروحاً البتة في الأدبيات الرسمية الصادرة عن الدولة المغربية وعن مؤسسات الرأسمال المغربي. فلا تزال خطط التصنيع تحترم مكانة المغرب في قسمة العمل الدولية، تلك المكانة التي أرسها الاستعمار منذ بداية القرن العشرين: على المغرب أن يتخصص في ما يمثل «مزاياه النسبية»، أي تزويد السوق الدولية بالمواد الخام والفلاحية، وحالياً ما يطلق عليه «مزايا تنافسية»: أي موقعه الاستراتيجي والاستقرار السياسي ورخص يده العاملة من أجل استقبال أنشطة تركيب في إطار سلاسل القيمة الدولية، حيث لا يزال المغرب في سفالة تلك السلاسل. ورغم كل الحديث الرسمي عن تحول المغرب إلى «قوة صاعدة» والتحول البنيوي في صادراته حيث أصبحت السلع المصنّعة تشكل نسبة مهمة منها، كانت خلاصة دراسات عديدة هي: «هناك الكثير من صنع في المغرب، لكن القليل جداً من صنع من طرف المغرب».
ليست التبعية وحدها العائق في وجه أي تصنيع أخضر للبلد، بل تضافر هذه التبعية مع التركيب الطبقي/الاجتماعي الحاكم حالياً في البلد. وإحدى مكونات ذلك التركيب هو الوزن النسبي الكبير لقسم من برجوازية البلد المكونة من الموردين الكبار، الذين استفادوا من الانفتاح التجاري وراكموا ثروات هائلة، ويشكل التصنيع بالنسبة لهم تهديداً لتلك المكاسب.
ما السبيل لإحداث تغيير هيكلي في الاقتصاد المغربي وإحداث تصنيع ينقل البلد من وضعية اقتصاد نامٍ إلى اقتصاد مصنّع ومستدام؟ هذا هو السؤال الجوهري المطروح حالياً. وتظل العوائق هي نفسها: التبعية، والمديونية الخارجية، وضعف الاستثمار الخاص، والتمويل ونقل التكنولوجيا. ستكون هذه المحاور في صلب كل الوثائق والمبادرات الرسمية والأدبيات الصادرة عن مؤسسات أكاديمية وروابط القطاع الخاص المغربي، فضلاً عن تقارير المؤسسات الدولية.
يأتي مفهوم «السياسة» في قلب هذا النقاش. فقد أدت عقود من تطبيق العقيدة النيوليبرالية وإجراءاتها إلى تواري مفهوم «السياسة»، وأخلى الساسة والحزبيون والمنظمات الاجتماعية من الساحة التي احتلها الخبراء ومكاتب الدراسات المؤداة عن المؤسسات المالية الدولية. بيد أن أي تصنيع للبلد، وبالأخرى تصنيع أخضر، يستدعي بالضرورة إعادة الاعتبار لـ«السياسة» والانتقال من اقتصاد يخدم مصالح قلة من المستفيدين من الوضع القائم، إلى اقتصاد يخدم الناس ويحافظ على البيئة للأجيال القادمة.
يقصد بالسياسة الصناعية كل تدخل للدولة في العمليات الاقتصادية قصد توجيهها من أجل إحداث تحول هيكلي في الاقتصاد، مثلاً الانتقال من اقتصاد معتمد على القطاع الفلاحي والمواد الأولية إلى اقتصاد معتمد على التصنيع والخدمات. ومؤخراً ظهر مفهوم «السياسة الصناعية الخضراء»، إشارة إلى إدماج البعد البيئي في السياسات الصناعية.
إذا كانت «السياسة الصناعية» تعني تدخل الدولة في الاقتصاد، فإن العمليات الجزئية لرأس المال لا تكون موضوع نقاش. فعندما ينخرط الرأسماليون الأفراد في استثمارات، فهم لا يستحضرون في أذهانهم بشكل مسبق «إحداث تحول هيكلي في الاقتصاد» أو «تنمية البلد» أو «التنمية المستدامة»، وما يهم الرأسمالي الفرد هو حجم مردود استثماره؛ أي أقل مجازفة ممكنة مع أعلى ربح مضمون وسريع ممكن.
لذلك فإن «التحول الهيكلي» و«تنمية البلد» و«التنمية المستدامة» أمور تحدث في مستوى آخر، خارج العمليات الجزئية لرأس المال، أي تحدث على مستوى «السياسة العامة» و«الدولة»، التي تتدخل من أجل ضبط العمليات الجزئية الاقتصادية والتحكم فيها وتوجيهها في إطار خطة عامة (مخطط) ذات أهداف تتعدى الحسابات الفردية للرأسماليين الأفراد. هذا ما حدث طيلة التاريخ في تجارب تصنيع ناجحة. إن الرهان الكبير حول دور القطاع الخاص في تنمية بلداننا في الجنوب العالمي، كما رسخت ذلك الأيديولوجية النيوليبرالية طيلة عقود، إنما يعاكس تلك التجربة التاريخية، بما فيها التي عرفتها البلدان المتقدمة نفسها، إذ كان دور الدولة وسياساتها (مثل الحمائية) دوراً كبيراً في إنماء قوى الإنتاج وإحداث التحول الهيكلي في اقتصاداتها.
طبعاً لا يجب تضخيم الدولة والإيمان بقدرتها الخرافية على إحداث هذا التحول الهيكلي. يحتاج الأمر إلى تعبئة سياسية واجتماعية يكون عمادها الشعب العامل: الطبقة العاملة وصغار منتجي الغذاء وضحايا البطالة والنساء والأقليات المضطهدة. وتقدم لنا تجارب أمريكا اللاتينية، في العقود الثلاثة الأخيرة، منظوراً واسعاً لمثل هذا التدخل الشعبي.
إن مصدري الثروة الوحيدين هما الطبيعة والبشر، وقد عمدت الرأسمالية طيلة قرون مضت إلى تحويلهما إلى مجرد عامل إنتاج: موارد بشرية (رأس مال بشري) وموارد طبيعية (رأس مال طبيعي)، ماضية في استغلالهما واستنزافهما ولم يكن يحد اعتداءاتها سوى مقاومة البشر. وحالياً أضيف إلى ذلك حدود الطبيعة والكوكب. تعمل الرأسمالية على قمع مقاومة البشر بدعم صعود اليمين المتطرف، وتحاول التكيف مع الأزمة البيئية التي ستنتجها، لكن بنفس آليات السوق ورسملتها ما تعتبره حلولاً للأزمة البيئية، في وقت تتنامى فيه النزاعات العسكرية وسباق نحو التسلح وعسكرة العالم.
في هذا السياق يبرز من جديد نقاش السياسات الصناعية الخضراء، والبحث عن حلول لمعضلات قديمة، خصوصاً في بلدان الجنوب العالمي. ما السبيل إلى تصنيع ينقل هذه البلدان من وضع التخلف الاقتصادي والتبعية والتردي الاجتماعي والخراب البيئي إلى وضع يضمن للبشر عيشاً كريماً ويحافظ على «أمنا الأرض»؟ يدفعنا هذا إلى الدفاع عن منظور للسياسات الصناعية يجعلها سيادية وعادلة وخضراء.
سيادية: بمعنى أن الخيارات الاقتصادية يجب أن تكون قراراً سيادياً وطنياً وفي نفس الوقت شعبياً. يجب أن تنبع كل القرارات الاقتصادية من إرادة الشعوب، بشكل يحقق قطيعة مع آليات التبعية القديمة والجديدة. ليس المؤسسات المالية الدولية ولا الاتحاد الأوروبي من سيحدد لنا ما ننتجه، بل نحن.
عادلة: سياسات تصنيعية تضمن الحياة الكريمة لجميع شرائح الشعب العامل، وتأخذ بعين الاعتبار التضحيات الاجتماعية التي يمكن أن تحدث في حالة قرار التخلي عن صناعات بعينها والاستثمار في أخرى. وعدالة بمعنى أخذ مصالح المجتمعات المحلية بعين الاعتبار في أي صنع للسياسات التصنيعية.
بيئية: ليس فقط بنزع الكربون وخفض الانبعاثات، بل بالقطع مع كل أشكال تدمير الكوكب، حتى وإن لم تكن تنفث انبعاثات، مثل الاستخراجية التعدينية. وكل حديث عن «الرأسمالية الخضراء» والاقتصار على «إزالة الكربون» إنما يعني تزويد الرأسمالية المسؤولة عن الأزمة المناخية بطاقات جديدة إلى جانب القديمة الأحفورية، في حين يستدعي الأمر تغيير النظام الاقتصادي بمجمله.
يحتاج هذا المنظور العام إلى محاور دقيقة وتوصيات ملموسة للتدخل في النضالات الاجتماعية والمقاومات الشعبية الجارية، لتكون تلك المحاور والتوصيات جسراً يربط بين الحاجيات اليومية للناس وبين منظور تحويل اقتصادي وانتقال بيئي عادلين:
- سياسة صناعية عمومية تكون ركيزة التحول الأخضر، ولا تتحمل المجتمعات المحلية والطبقة العاملة تكلفته، وتكون تحت رقابة مواطنية (عمالية وشعبية)، ممولة بآليات لا تزيد تبعية البلد للمراكز الإمبريالية (قديمة وجديدة).
- سياسة طاقة تضع على رأس أولوياتها تزويد السوق الداخلية بطاقة نظيفة. ستتيح إعادة إنتاج الطاقة وتوزيعها إلى القطاع العمومي إمكان سن سياسة طاقة خضراء، ومساهمة في تصنيع البلد وفك تبعيته الطاقية.
- نقل عمومي جماعي: لن تستقيم سياسة تصنيع أخضر دون توسيع فعال للنقل العمومي المستخدم للطاقات النظيفة، وسن سياسة جبائية ثقيلة تجاه السيارات الخاصة.
- سيادة غذائية فعلية: تقع المسألة الزراعية في صلب أي تصنيع. فلكي تتوسع الصناعة فإنها تحتاج إلى زيادة أكبر بكثير في إنتاج الأغذية والمواد الأولية الزراعية بشكل متناسق: الأغذية لضمان غذاء سكان المدن الذين ترتفع أعدادهم، والمواد الأولية من أجل المصانع. هذه الفلاحة بحاجة إلى معدات (جرارات وحصادات ودراسات وأسمدة...) إلخ. هذا ما يجب أن تتوجه إليه أي خطة تصنيع بدل فتح البلد أمام شركات السيارات التي تبحث عن كلفة أرخص (يد عاملة وبنية تحتية) لتجمع مركباتها ثم تصدرها مع مكاسبها المالية إلى مواطن تلك الشركات.
- السياسة المالية: جعل القطاع البنكي والمالي قطاعاً عمومياً تحت إشراف مؤسسات تخضع لرقابة شعبية ومواطنية، عكس القائم حالياً: حيث البنك المركزي مستقل ولا يخضع حتى لرقابة برلمانية، وحيث البنوك تفضل المقترضين الكبار. والتعويض عن الدين الاستعماري والإيكولوجي، الذي من شأنه استرداد ما نهبه الاستعمارون القدامى والجدد.
- سياسة ضريبية تحمل الأغنياء مسؤولية الأزمة المركبة (اقتصادية واجتماعية وبيئية) التي تسببوا فيها: ضريبة تصاعدية، مع تخفيض جذري، بل إلغاء ضريبة القيمة المضافة على مجموعة من الخدمات الأساسية، بدءاً بالمياه والكهرباء، وزيادة جذرية في الضرائب على دخول وأموال الأغنياء.
- سياسة تشغيل قادرة تأخذ بعين الاعتبار من سيكونون ضحايا الانتقال الأخضر: فقسم كبير من الطبقة العاملة يتخوف من فقدان مناصب شغله إن تخلت الدولة عن السياسات المدمرة للطبيعة والملوثة. لن يستحضر القطاع الخاص الرأسمالي هذا المطلب، لذلك لا بد من سياسة تشغيل عمومي تضع نصب أعينها سياسة تصنيع اجتماعية وخضراء.
- يجب أن تستحضر هذه المقترحات والتوصيات الأفق المغاربي للانتقال الأخضر: فالسوق المغاربية المجزأة تشجع أكثر على ارتهان بلدانها للمراكز الرأسمالية التقليدية (الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة) والحديثة (الصين)، وفي نفس الوقت يمنع ذلك التجزؤ تلك البلدان من الاستفادة من تكامل مواردها الطبيعية وإمكاناتها الاقتصادية. فالجزائر وليبيا ومصر تمتلك موارد طاقة كبيرة، بينما المغرب وتونس لديهما احتياطيات من الفوسفات وقدرات زراعية. يمكن إعادة توجيه عائدات النفط الجزائرية نحو الاستثمار الإقليمي لتمويل مشاريع إنتاجية في تونس والمغرب بدلاً من القروض الأجنبية. في المقابل، يمكن للمغرب وتونس تزويد الجزائر بالغذاء بدلاً من اعتماد الجزائر على الواردات المكلفة من أوروبا أو روسيا. يمكن للمغرب، بصفته منتجاً للطاقة الشمسية، استيراد الألواح الشمسية من تونس، بصفته منتجة لها. لن يؤدي هذا التعاون إلى بناء القدرات الإنتاجية وتعزيز السيادة الغذائية فحسب، بل سيشكل أيضاً تحدياً للتبعية لرأس المال الأجنبي. يتطلب كسر حلقة التبعية إعادة توجيه الاقتصادات بعيداً عن خدمة احتياجات الدول المتقدمة نحو تجارة أكثر إنصافاً وتكنولوجيات مشتركة عبر الجنوب العالمي.
وأخيراً: الديمقراطية أولاً وأخيراً. هذه التوصيات ومنظورها الأوسع المعادي للرأسمالية لا يمكن تطبيقها من طرف نخب اقتصادية تستفيد من الوضع القائم الذي تحميه بدورها سلطة مستبدة سياسية مستفيدة بدورها من هذا الوضع. تثير لنا الطريق تجارب اختراق انتخابي في أمريكا اللاتينية حيث تمكنت حكومات مدعومة من طرف حركات شعبية (عمالية وفلاحية) من تطبيق برامج اجتماعية واقتصادية، بغض النظر عن حدودها وعدم إصرارها على إحداث القطيعة الفعلية مع المراكز التي تحكم على بلداننا وشعوبنا بالفقر والبطالة والبؤس والدمار البيئي.
ينبغي أن نحلم.