مبادرة باكستان الخضراء الرأسمالية الخضراء وسلب الأراضي الريفية في باكستان

في 11 يوليو 2025، ومع غمر أمطار موسم الرياح الموسمية لمدينة لاهور، أطلقت باكستان مبادرة باكستان الخضراء المدعومة من الجيش، والتي تتضمن إنشاء مزارع تابعة للشركات وست قنوات جديدة في البنجاب. ورغم تسويقها تحت مسمى "التحديث"، إلا أنها تتسبب في عمليات إخلاء للمزارعين الصغار، ونزاعات على المياه العذبة مع إقليم السند، واستثمارات خليجية ضخمة، وحركة احتجاجية متنامية يقودها شخصيات مثل "ذو الفقار الصغير".

Authors

Longread by

Zaighum Abbas
Illustration by Fourate Chahal El Rekaby

Illustration by Fourate Chahal El Rekaby

ملخص تنفيذي

  • مبادرة باكستان الخضراء هي برنامج يقوده الجيش، وأُطلق في عام 2023 لتعزيز الزراعة التجارية من خلال مشاريع الريّ واسعة النطاق والاستثمار الأجنبي (بشكل رئيسي من دول الخليج) في الزراعة. يتمّ تقديمها على أنّها استجابة شاملة للتحدّيات الاقتصادية والبيئية التي تواجهها باكستان، وتَعِدُ بالزراعة الآلية والتنمية الخضراء. ومع ذلك، على الرغم من هذا الخطاب حول الاستدامة، تعكس مبادرة باكستان الخضراء أنماطًا طويلة الأمد في الاقتصاد السياسي الباكستاني، حيث يلعب الجيش دورًا مهيمنًا في الحكم ويسيطر على مساحات شاسعة من الأراضي.

  • يضع هذا المقال مبادرة باكستان الخضراء في سياق تاريخي يمتدّ من ”مستوطنات القنوات“ الاستعمارية إلى المشاريع الضخمة ما بعد الاستعمار، ويوضح كيف عملت مخطّطات التنمية على تعزيز سيطرة النخبة على الأراضي بدلا من إعادة توزيعها. يمثّل هذا البرنامج تحوّلًا من نظام ملّاك الأراضي الزراعية إلى الأعمال التجارية الزراعية التي تقودها الشركات بدعم من المؤسسات الحكومية الرئيسية والمستثمرين الأجانب.

  • تسمح التغييرات القانونية والسياسية في إطار مبادرة باكستان الخضراء بتأجير أراضي الدولة على المدى الطويل لشركات يديرها الجيش وشركات الزراعة التجارية، التي تتّخذ من الخليج مقّرًا لها. تمنح هذه الترتيبات لهذه الشركات نفاذًا آمنًا إلى الموارد الزراعية الباكستانية، في حين تواجه المجتمعات التي زرعت هذه الأراضي لأجيال طويلة خطر الطرد. تقع المخاطر والأضرار البيئية، مثل استنزاف المياه الجوفية وتدمير غابات المانغروف وندرة المياه، على عاتق سكان الريف، في حين يغادر معظم الأرباح البلاد.

  • تخفي مبادرة باكستان الخضراء منطقَها الاستخراجي في ثنايا صياغة هذه العمليّات بمصطلحات خضراء. وبذلك، تُوضَع باكستان في خضم اتجاه عالمي يُستخدم فيه الفعل من أجل المناخ لدفع تراكم رأس المال وسيطرة النخبة، بدلا من معالجة التفاوتات البيئية والاجتماعية.

مقدّمة

إنّه يوم 11 يوليو/ تموز 2025، ولاهور تغرق في أمطار الموسم، والسماء رمادية والطرق مغمورة بالمياه. ويملأ ناديَ الصحافة في المدينة شعورٌ غير عادي بالترقّب، حيث يوشك مؤتمر صحفي على البدء بهدف تسليط الضوء على موجة جديدة من مشاريع التنمية الزراعية التي تقودها الدولة وتُسمَّى مبادرة باكستان الخضراء. في الداخل، ينتظر الصحفيون الذين يرتدون ملابس شالوار قميزي1 الرطبة بفارغ الصبر وصول المتحدثين. من بين المتحدثين شاب ملتحٍ في منتصف الثلاثينيات من عمره، يُعرَف شعبيا باسم ”زولفقار جونيور“. سُمِّيَ على اسم جدّه، ذو الفقار علي بوتو، رئيس وزراء باكستان السابق، ذي التوجه الاشتراكي الذي أعدمته الدكتاتورية العسكرية المدعومة من الولايات المتحدة بقيادة محمد ضياء الحق في عام 1979. على مدار العام الماضي، برز زو الفقار جونيور، وهو فنان شاب واشتراكي بيئي، كوجه غير متوقّع لحركة الفلاحين والمزارعين المعارضة لمبادرة باكستان الخضراء. عندما يخاطب الصحفيين المجتمعين، يفعل ذلك بهدوء ورباطة جأش، قائلا لهم: ”لن نترك مزارعينا وفلّاحينا تحت رحمة هذا الجنون“.
 
خارج نادي الصحافة، يتّسم المناخ السياسي في باكستان حاليًا بدعم شعبي هائل لرئيس الوزراء السابق المسجون عمران خان، الذي أطيح به من الحكم قبل ثلاثة أعوام في أول تصويت برلماني ناجح على سحب الثقة2 في البلاد. ومنذ ذلك الحين، ظلّ خان مسجونًا، مُدانًا بالفساد وتسريب أسرار الدولة – وهي تُهم يصفها العديد من مؤيّديه بأنها ملفَّقة. ومع ذلك، تمكّن خان من تشكيل تَحَدٍ مباشر لسلطة الجيش القوي في البلاد، الذي يَعتقد أنه كان مسؤولا عن الإطاحة به.
 
في فترة عدم الاستقرار السياسي التي أعقبت الإطاحة بخان، وصل إلى السلطة ائتلافٌ بقيادة حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية- نواز (يمين الوسط). خلال هذه الفترة، واجهت البلاد أيضًا هجمات عنيفة من قبل حركة طالبان باكستان، وهي جماعة مسلّحة، بالإضافة إلى ارتفاع معدّلات التضخّم، ممّا أدّى إلى تفاقم السخط العام3. وفي حين ساعدت الحرب بين الهند وباكستان، في مايو من هذا العام (2025)، الجيشَ على استعادة جزء من صورته العامة، إلا أنه لم يتمكن من الحدّ من شعبية خصمه الأكثر صَخبًا، عمران خان. ومع ذلك، لا يزال جنرالات البلاد يتمتعون بسلطة سياسية هائلة داخل باكستان، حيث يشير الكثيرون إلى أنّ للبلاد شكل هجين من الحكم، حيث يشغل المسؤولون المنتخَبون مناصبهم، لكن القرارات الرئيسية تبقى بيد الجيش4.
 
في ظل هذه الأجواء المتوترة، بما في ذلك المشاكل الاقتصادية المتزايدة وأزمة ميزان المدفوعات، بدأت السلطات الحكومية في عام 2023 مبادرة باكستان الخضراء، وهي برنامج طموح للانتعاش الاقتصادي من بنات أفكار الجيش الباكستاني ويخضع لإشرافه المباشر5. تهدف مبادرة باكستان الخضراء، من خلال الاستثمارات المحلية والأجنبية للشركات، إلى إدخال الممارسات الزراعية الحديثة إلى الأراضي الصالحة للزراعة والأراضي غير الصالحة للزراعة حاليًا. وهذا أمر مهمّ، لأنّ باكستان تعتمد بشكل كبير على قطاعها الزراعي لدعم اقتصادها (أسهمَ بنحو 24٪ من الناتج المحلّي الإجمالي في السنة المالية 2024-25). ويشكّل مشروع القنوات الستة جزءًا أساسيًا من مبادرة باكستان الخضراء، وهو يتضمّن تطوير ستّ قنوات ريّ رئيسية عبر المناطق القاحلة في أكبر مقاطعة في البلاد، البنجاب، بهدف تحويل مساحات شاسعة من الأراضي القاحلة إلى مناطق صالحة للزراعة.

على الرغم من التصنيف الرسمي لمبادرة باكستان الخضراء على أنّها تهدف إلى تعزيز الإنتاجية، إلا أنها تعمل كإطار مؤسّسي يتم بموجبه تأجير مساحات شاسعة من الأراضي العمومية للشركات الزراعية. وبموجب هذا المخطّط، تقوم الحكومات الإقليمية بتحديد الأراضي التي تُسمّى ”قاحلة“ أو ”غير مستغَلّة“ وتحويلها إلى شركة يديرها الجيش، وهي شركة Green Corporate Initiative Pvt. Ltd.، التي تأسّست تحت إشراف المجلس الخاص لتسهيل الاستثمار (مختس). ثم تدخل هذه الشركة في اتفاقيات إيجار طويلة الأجل - عادةً لمدة 20 إلى 30 عامًا - مع مستثمرين محلّيين ومن الخليج، الذين يطوّرون هذه الأراضي للأعمال الزراعية الموجَّهة للتصدير.

في حين تتستّر مبادرة باكستان الخضراء بلغة الإنتاجية والاستثمار، تُسلّط العديد من الحركات في أنحاء البلاد الضوء على الواقع الأكثر قتامة: حركات الناس الذين تُسلَب منهم أراضيهم، وأصحاب الأراضي التي يستولي عليها رأس المال المحلّي والأجنبي، غالبًا من دول الخليج.

Illustration by Fourate Chahal El Rekaby

Illustration by Fourate Chahal El Rekaby

جذور سيطرة النخبة: دولة مُطوَّرة عسكريًا والتشكيلات الطبقية في باكستان

في عام 1961، حظيَ أول ديكتاتور عسكري لباكستان، الجنرال أيوب خان، باستقبال فخم غير عادي في الولايات المتحدة بعد انضمام باكستان إلى منظمة معاهدة جنوب شرق آسيا (SEATO) ومنظمة المعاهدة المركزية (CENTO) بقيادة الولايات المتحدة. أُنشئ هذان التحالفيان العسكريّان خلال الحرب الباردة لاحتواء انتشار الشيوعية في آسيا والشرق الأوسط؛ وبانضمامها إليهما، أصبحت باكستان دولة في الخطوط الأمامية للحرب الباردة6. ولهذا السبب، عندما وصل الجنرال أيوب إلى قاعدة أندروز الجوية في واشنطن، رُحِّب به من قِبل طاقم كامل من حرس شرف العسكري و21 طلقة تحيّة، واستقبله الرئيس الأمريكي جون إف كينيدي.

بمساعدة الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة، ضخّ الجنرال أيوب مليارات الدولارات في القطاع الزراعي الباكستاني، مما أدى إلى حدوث تحول ثوري في المشهد الزراعي للبلاد7. وكتبت وسائل الإعلام الغربية تقاريرا عن كيفية سير باكستان على الطريق الصحيح لتصبح ما يسمّى بـ ”النمر الآسيوي“. كانت المساعدة المالية للزراعة الباكستانية جزءًا من محاولة لإضفاء الشرعية على الدكتاتورية العسكرية في باكستان، مع قمع احتمال حدوث تمرّد فلاحين من النوع الذي كان شائعًا في معظم دول الجنوب خلال تلك الفترة8. في الواقع، جادل نيك كولثير بأن المساعدة الزراعية الأمريكية لآسيا خلال الحرب الباردة كانت شكلا من أشكال الثورة المضادة الخضراء، قائلا: "أصبحت الثورة الخضراء السلاح المفَضَّل لضمان بقاء ميزان القوى في صالح أمريكا. اتّجهت واشنطن إلى التكنولوجيا الزراعية للتخفيف من حدّة الفقر وتعزيز النموّ الاقتصادي إلى مدى من شأنه ”تأديب السياسة [الآسيوية] الجامحة ودعم الأنظمة العميلة“9.

ومن هذا المنظور، استُخدِم احتكارُ واشنطن التكنولوجي كأداة ”لتأديب“ السياسة، من خلال ربط الفلاحين والمزارعين بنظام مُعَقَّدٍ من مؤسّسات الائتمان وتجريدهم من أراضيهم واستقلاليتهم الزراعية. في ظلّ هذا النظام الجديد، اضطرّ المزارعون إلى الحصول على قروض وشراء البذور واستخدام الأسمدة الكيماوية وبيع المحاصيل النقدية. وبذلك أصبحوا جزءًا من دائرة اقتصادية خاضعة للرقابة10، أعادت هيكلة العلاقات الاجتماعية وقوّضت إمكانيات التنظّم والانتفاض11. وقد صوّر هذا النظام الجديد الجوع على أنه تحدٍ تقني، يتعلّق ببساطة بـ ”نقص السعرات الحرارية“، بدلا من كونه مسألة سياسية مرتبطة مباشرة بعدم المساواة ونزع ملكيّة الأرض12.
 
في حين قامت الأنظمة اليسارية في الصين الماوية وفيتنام ما بعد الثورة بإصلاحات زراعية جذرية، كانت مثل هذه الإصلاحات منطقة محظورة بالنسبة لنظام أيوب خان المتحالف مع الولايات المتحدة. وبدلا من ذلك، دُفع النظام إلى زيادة الإنتاجية الزراعية من خلال تطبيق التكنولوجيا والتمويل المدعوميْن من الغرب. على الصعيد المحلي، كان الهدف الأساسي من هذه السياسات هو ضمان بقاء كبار ملاك الأراضي التقليديين في باكستان مسيطرين على زمام الأمور، والحفاظ على التشكيلات الطبقية التقليدية13. أمّا على الصعيد الدولي، فقد كان دور باكستان، كدولة تابعة للولايات المتحدة، هو تقديم النموذج الأمريكي كبديل للشيوعية. لم تكن باكستان وحدها في هذه التجربة: إذ طُبِّق هذا النموذج، من المساعدات الزراعية كاستراتيجية لمكافحة التمرد، بقوة خلال فترة الحرب الباردة في الفليبين وإندونيسيا وتايلاند14.
 
مكّن الدعم الجيوسياسي الذي قدّمته الولايات المتحدة لنظامها الديكتاتوري العسكري العميل في باكستان من إرساء نموذج زراعي تراكُمي يلعب فيه الجيش دورًا رئيسيًا، وهو وضع مستمرّ إلى اليوم. وفقًا للتقديرات الحالية، يخضع حوالي 12 مليون فدّان من الأراضي في باكستان، أو 4% من المساحة الإجمالية، لسيطرة الجيش15. وقد أدّى ذلك إلى ظهور طبقة من مُلّاك أرض عسكريّين، يستخرجون الريْع من المستأجرين دون أن يعيشوا فعليا على تلك الأراضي. على سبيل المثال، في مناطق مثل أوكارا وباهاوالبور وبلوشستان، أعاد الجيش في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين الاستيلاء على الأراضي التي كان يزرعها تاريخيا المزارعون المستأجِرون بموجب عقود إيجار استعمارية، وتعرّض أولئك الذين ادّعوا مِلكيتَها إلى القمع. والأهمّ من ذلك أنّ الأراضي المخصّصة للمؤسّسة العسكرية البيروقراطية تُروَى بمياه من قنوات تديرها الدولة، في حين أن القنوات التي يستخدمها صغار المزارعين غالبا ما تكون جافّة أو مملوءة بالطميْ أو معطّلة، ممّا يضطرّهم إلى الاعتماد على آبار أنبوبية باهظة الثمن، وهو ما يرفع كُلفة الإنتاج16.

في حين تتمتّع الجيوش في دول مثل مصر وتركيا بقوة اقتصادية كبيرة، فإنّ حجم السيطرة المباشرة للجيش على الأراضي في باكستان غير عادي: إذ يوجد بها واحدة من أكثر الطبقات العسكرية المالكة للأراضي رسوخًا في العالم. من خلال ملكيتها للأراضي، ووصولها التفضيلي إلى المياه، ورعاية الدولة (في شكل إعانات للزراعة)، تهيمن النخبة العسكرية المالكة للأراضي على الاقتصاد الريفي وتكسب الإيجارات والأرباح، ولكنها بعيدة عن الزراعة الفعلية. من ناحية أخرى، يتعرّض المستأجرون لخطر الإخلاء، لا سيما عندما يؤدّي الدافع الربحي إلى تحويل الأراضي الزراعية إلى عقارات، لا سيما في ما يتعلّق بمشاريع الإسكان الفاخرة.

أدّى الانتقال من نمط مُلّاك الأراضي الزراعية إلى نمط الرأسمالية العقارية الحضرية إلى تفاقم الفجوة الطبقية بين نخبة المالكين المرتبطين بالجيش والمزارعين المستأجرين. وتسارع هذا الانتقال في الثمانينيات والتسعينيات مع توسّع مشاريع الإسكان المدعومة من الدولة في المدن الكبرى. وفي ظلّ هذا التحوّل، لم تعُد الأراضي مرتبطة بالإنتاج، بل أصبحت بشكل متزايد عرضة للمضاربة والتراكم. وأصبحت المناطق الريفية وشبه الحضرية مملوكة بشكل متزايد للمجتمعات السكنية المترامية الأطراف التي أُنشأت لتلبية احتياجات الطبقات الوسطى والعليا المدينيّة. على سبيل المثال، تخضع 25٪ من الأراضي في لاهور، عاصمة البنجاب، أكبر مقاطعة في باكستان، لسلطة الإسكان الدفاعي، وهي هيئة لتطوير العقارات والإسكان أُنشِأَت في الأصل لتوفير السكن للضباط العسكريين المتقاعدين والعاملين17. بمرور الوقت، أصبحت سلطة الإسكان الدفاعي واحدة من أقوى إمبراطوريات العقارات في البلاد، حيث تخدِم النخبةَ الحضرية، المدنية والعسكرية على حد سواء.
 
ومن الأمثلة الأخرى على هذه الجمعيات الإسكانية: بهرية تاون، وهي واحدة من أكبر مشاريع الإسكان الخاصة في جنوب آسيا، ولها مشاريع ضخمة في لاهور وكراتشي. وتُجسّد بهرية تاون نموذج تحويل الأراضي إلى رأس مال وهمي، وهي حالة نموذجية للريْعيّة النخبوية حيث لا يتّم إنتاج الثروة عن طريق العمل أو الابتكار، بل يتمّ استخلاصها عن طريق امتلاك أسواق الأراضي والتلاعب بها. تُعَدُّ بهرية تاون أيضًا مثالًا بارزًا لما يسمّيه ديفيد هارفي ”التراكم عن طريق نزع الملكيّة“، حيث تشتهر بعمليات الإخلاء القسري للمجتمعات القديمة في ضواحي المدن.
في الحالات التي تفشل فيها محاولات الإخلاء الصريح، يتبنّى التكتل استراتيجية بديلة: فهو يشتري الأراضي بأسعار رخيصة من خلال ممارسة الإكراه على المُلّاك، ثم يعيد تصنيف تلك الأراضي من استخدامات زراعية إلى استخدامات تجارية18. وبمجرد إعادة التصنيف، يقوم التكتل بتسويق الأراضي بشكل مكثّف، مستغلاً تطلعات الطبقة العليا إلى الرفاهية والإنزواء. وحتى قبل البدء في تطوير مشاريع الإسكان على الأرض، يتم بيع قطع الأراضي مسبقًا للمستثمرين، ممّا يدُرُّ رأس مال ضخمًا مُقدَّمًا19. ثمّ يجري استخدام هذا الرأسمال لشراء أراضٍ إضافية، ممّا يخلق دورة من التوسّع المُضارِبي. وبذلك تتحول الأرض من أصل إنتاجي إلى أداة لتراكم الثروة لدى النخبة. تظلّ الأرض عنصرًا أساسيًا في هذه المعادلة، لكن قيمتها الآن تأتي من إمكاناتها التبادلية، وليس من قيمتها الاستعمالية.

الجديد في هذا الانتقال من نظام مُلّاك الأراضي الزراعية إلى الرأسمالية العقارية هو دخول مجموعات نخبوية جديدة في مجال السيطرة على الأراضي وإدارتها، وهو مجال كانت تهيمن عليه في السابق العائلات الإقطاعية. بدءًا من الثمانينيات وتسارعًا بعد الألفية الجديدة، أصبحت هذه النخبة تضمّ جنرالات عسكريين وقضاة وبيروقراطيين وأباطرة عقارات، يعملون بالشراكة مع مؤسسات الدولة الرئيسية. وبالتالي، في حين تمثّل الرأسمالية العقارية مرحلة جديدة من تراكم رأس المال، فإنّها تبني أيضا على الهياكل الإقطاعية القديمة. والأهمّ من ذلك، أنّ أنماط نزع الملكية مستمرّة. كما أنها حالة من استيلاء النخبة، التي تتخذ شكل استغلال الثغرات القانونية، والتأثير على سلطات التنمية المحلية، وخلق اقتصاد موازٍ قائم على توقعات ارتفاع قيمة الأراضي. كلّ هذا مثال نموذجي عمّا أشار إليه ماركس برأس المال الوهمي.

كانت عواقب الانتقال من نظام ملاك الأراضي الزراعية إلى الرأسمالية العقارية وخيمة على الاقتصاد الباكستاني. مع تحوّل الأرض إلى المجال الرئيسي لتراكم رأس المال، تحوّل الاقتصاد من الإنتاج إلى المضاربة، ممّا أدى إلى تآكل القدرة التنافسية الصناعية. تَحُول الريعيّة الفجّة دون التصنيع وتطوير القوى الإنتاجية: بدلاً من ذلك، يتمّ تخصيص رأس المال بشكل خاطئ لقطاع العقارات سعيًا وراء عوائد أسرع وأكثر أمانًا. بين عامي 2015 و2020، اجتذب قطاع العقارات رأس مال أكثر مقارنة بقطاع النسيج، الذي لا يزال يمثّل حوالي 8-9% من الناتج المحلي الإجمالي وأكثر من نصف صادرات باكستان20. ونتيجة لذلك، يعاني البلد من عجز تجاري مستمرّ. إذ تجاوزت الديون الخارجية الآن 90 مليار دولار أمريكي. تعتمد باكستان حاليًا بشكل أساسي على التحويلات الخارجية للبقاء على قيد الحياة21.
 
على المستوى المجتمعي، أدّت هذه الرأسمالية العقارية إلى تدهور أنظمة الإيجار الريفي وزيادة انعدام الأمن الغذائي، الذي يؤثر الآن على 43٪ من سكان باكستان وفقًا لتقديرات برنامج الغذاء العالمي. مع استمرار معدّل الفقر الريفي فوق 35٪، ازدادت هجرة الأسر الريفية إلى المدن والبلدان الأخرى، ممّا أدى إلى زيادة نسبة النساء في القوى العاملة الزراعية22. ومع ذلك، لا يصاحب هذا التزايد في نسبة النساء زيادة في استقلاليتهنّ أو الدعم المؤسّسي لهُنّ، إذ أنّ عمل النساء إمّا غير مدفوع الأجر أو ذو أجر زهيد. في مقاطعة السند وحدها، يعمل ما يُقدَّر بنحو 60٪ من النساء كعاملات من دون أجر في المزارع العائلية، في حين تُقدَّر القيمة السنوية لعملهنّ بنحو 2.46 مليار دولار، وهو ما يشكّل 57٪ من إجمالي العمالة الزراعية في المقاطعة23.
 
بالتزامن مع هشاشة العمل في المناطق الريفية، يُصاحِب تحويلُ الأراضي إلى عقارات أزمةَ إسكان تؤدي إلى تفاوتات مكانية كبيرة في المراكز الحضرية الكبرى، مثل كراتشي ولاهور وإسلام أباد. وفقًا لدراسة أجراها معهد باكستان لاقتصاديات التنمية، يواجه البلد حاليًا نقصًا إجماليًا في المساكن يبلغ 10.3 مليون وحدة سكنية. هذا النقص غير مُوزَّعٍ بالتساوي، إذ تواجه بعض المقاطعات نقصًا كبيرًا، مثل البنجاب بنسبة تقارب 40٪ والسند بنسبة تزيد عن 57٪24.
 
في هذا السياق، غالبًا ما تعني التنمية لصالح القلّة تهجيرَ الكَثْرة، إذ يقع أحيانًا هدم الـ"كاتشي أباديس" (أحياء سكنية عشوائية) بأكملها، دون أيّ خُطط لإعادة توطين سكانها. على سبيل المثال، في قلب عاصمة البلاد، إسلام أباد، شُنَّت عملية عنيفة في يوليو/ تموز 2015 لهدم أحد هذه "الأحياء العشوائية” من أجل مشروع عقاري، ممّا أثّر على ما يقرب من 8000 شخص من الطبقة العاملة، ينتمون في الغالب إلى الأقلية المسيحية. تُشكّل عمليات الهدم هذه هجمات طبقية على السكان الفقراء لصالح المستثمرين العقاريين، بالتواطؤ مع الدولة التي يسيطر عليها الجيش. وهي تُشكّل تجريمًا رمزيًا وماديًا للتشرّد والفقر، في حين تمرّ انتهاكات الأغنياء دون أن يلاحظها أحد25. على الرغم من تبريرها باسم أزمة الإسكان، فإنّ هذه المشاريع العقارية مُصَمَّمَة بحيث لا يمكن للفقراء من عمّال المدن الوصول إليها. وكثيرًا ما يَستخدم المطوّرون العقاريون خطاب توفير السكن، لكن مشاريعهم تُلبّي احتياجات الشرائح الغنية من الطبقتين الوسطى والعليا، وليس الفئات ذات الدخل المنخفض. ونتيجة لذلك، لا يزال الطلب على السكن ذي التكلفة المعقولة، بالمناطق الحضرية في باكستان، دون تلبية.
 

دخل المسار التاريخي الذي شَهد تحوّلاً من الإقطاع الزراعي إلى الرأسمالية العقارية مرحلة جديدة الآن: مرحلة الرأسمالية الخضراء. هذه المرحلة الجديدة من التراكم مُغطّاةٌ بخطاب أخضر ومعجم الاستدامة، لكنها تُنفَّذ من قِبَل نفس الجهات الفاعلة المشاركة في الرأسمالية العقارية. وبالتالي، هي تُمثّل تحوّلاً في اللغة وليس في المنطق. يعكس هذا التحول الاتجاه العالمي للرأسمالية الخضراء، إذ يقع تصميم الإجراءات المناخية لتوليد التمويل واستخراج الريْع، بدلاً من تعطيل منطق الاستخراج أو مواجهة الظلم البيئي والمناخي. في الرأسمالية الخضراء، تُستخدَم لغة ”الزراعة الذكية مناخيًا“ وما يُسمّى بتقنيات ”الثورة الخضراء الجديدة“ بشكل متزايد في خطاب الدولة والجهات المانحة.

لا يسلّط هذا الإطار لا الضوء على الحلول التقنية فحسب، بل إنّه يوحي ضمنًا بأنّ مستخدِمي الأراضي التقليديين غير أكْفاء، ويضع الزراعة الصناعية في موقع المستقبل الحتمي26. كما تقول تانيا لي (2007)، تسعى مثل هذه الخطابات إلى تحويل القضايا الزراعية المعقّدة إلى قضايا تقنية بحتة، وتحويل الصراعات على الأراضي وسبل العيش إلى مشاكل ضيّقة تتعلق بالإنتاجية والنجاعة27. وفي الممارسة العملية، يضفي هذا الشرعيةَ على مشاريع الزراعة التجارية، بما في ذلك مبادرة باكستان الخضراء، بينما يحجب مصادرة أراضي الفلاحين والمعرفة البيئية المتأصّلة في الممارسات المحلية.

وبالتالي، أصبحت حماية البيئة، في ظلّ الرأسمالية الخضراء، مجالًا جديدًا تستحوذ عليه النخبة، ممّا يتيح لها الاستيلاء على الأرض تحت ستار الإدارة البيئية. وليس الهدف من ذلك استعادة النُظم البيئية، بقدر ما هو إعادة إضفاء الشرعيّة على الاستيلاء على الأراضي باسم الحفاظ على البيئة والكفاءة الزراعية وتعويضات الكربون.

Illustration by Fourate Chahal El Rekaby

Illustration by Fourate Chahal El Rekaby

زراعة الأرباح: تفكيك مبادرة باكستان الخضراء

وارث شاہ نیویں نیویں وسدا، جتھے کھیتی روئے کھُرکاں مارے

”واريس شاه يمشي ورأسه مُنحنٍ عبر القرى حيث المحاصيل تئن تحت وطأة القهر“ — واريس، في هير. 
 

في البنجاب تُعتَبر رواية ’هير‘ للكاتب واريس شاه بمثابة نظير ’الإلياذة‘ و’الشاهنامه‘ و’ألف ليلة وليلة‘. إنها رواية عن الحبّ والأرض، مليئة بالصور الريفية، حيث تنطلق الشخصيات في مونولوجات وحوارات غالبًا ما تكون ذات دلالات روحية واجتماعية. هير هي تحفة من تحف الأدب الصوفي البنجابي، كُتبت في القرن الثامن عشر وتعكس تقليد سرد القصص في جنوب آسيا المعروف باسم ”قصّة“. هير التي تُغنَّى ويُحتفى بها منذ قرون، تعكس بشكل مخيف أنماط المعاناة الزراعية التي نراها في البنجاب الحديثة. هير في رواية واريس شاه هي حبيبة البطل رانجها. وهي ليست مجرّد امرأة، بل هي أيضًا رمز لأرض البنجاب: خصبة، فخورة ومستقلّة، لكنها تخضع للهيمنة. يُظهر زواجها القسري لحماية شرف عشيرتها كيف أنّه لطالما وقع تداول وانتهاك النساء والأرض على حدٍ سواء.

هذه الاستمرارية مهمّة: ففي عهد واريس شاه، كانت مثل هذه الاستعارات تُعبّر عن طريقة عمل السلطة الأبوية والإقطاعية، أمّا اليوم، فإنّ ديناميات مماثلة تتكشّف في أشكال جديدة مع تحويل الأراضي الزراعية إلى عقارات دون موافقة من يزرعونها. تُذكّرنا هذه القصّة بأنّ التنمية دون رضا الناس هي دائماً انتهاك، بغضّ النظر عن الطريقة التي يتمّ تقديمها بها. وبالمِثل، فإنّ قرار البطل رانجها بأن يصبح صوفيًا متجوّلًا، بعد أن حرمه إخوته من حصته الشرعية من الأرض، يردّد صدى محنة الفلاحين المهاجرين المعاصرين الذين يغادرون ديارهم بحثًا عن وسيلة للبقاء على قيد الحياة في مواجهة الصعوبات التي يشهدها قطاع الزراعة.

تشكّلت الدولة الحديثة التي تحكم البنجاب اليوم على أساس الإرث الاستعماري لتصنيف الأراضي ومستوطنات القنوات المائية — وهي مستوطنات بناها البريطانيون في البنجاب بالقرب من قنوات الريّ التي حوّلت الأراضي القاحلة إلى أراضٍ زراعية تُستغَلّ لتحقيق الدخل. وتقدّم الدولة الحديثة التي تحكم البنجاب اليوم رؤية مختلفة للمقاطعة عن تلك التي صوّرتها رواية هير: رؤية خالية من النسيج الثقافي الغنيّ في الماضي. تتخيل هذه الرؤية الأرض من خلال لغة التنمية والأمن. يقع الآن استبدال الذاكرة الثقافية العميقة المتأصّلة في تُربتها، والتي عبّر عنها بثراء شعراء مثل واريس شاه، برؤى تنموية تكنوقراطية وغير عادلة. لقد تحوّلت الأرض إلى أصلٍ قابل للقياس الكمّي ولم تعد موطنًا للمجتمعات العديدة التي أعطتها الحياة والمعنى من خلال عملها وثقافتها. وهذا يمثّل انفصالًا أخلاقيًا ومعرفيًا عن الماضي بسبب منطق التنمية الاستعماري وما بعد الاستعماري والاستعماري الجديد، كما تتصوّره مشاريع مثل مبادرة باكستان الخضراء.

أُطلقَت مبادرة باكستان الخضراء رسميًا في عام 2023، وتُقدَّم كحلٍ سحريٍ يمكنه حلّ المشاكل الاقتصادية للبلاد وتعزيز الإنتاج الغذائي الوطني من خلال الزراعة الآلية. يَذكُر موقعها الإلكتروني: ”مبادرة باكستان الخضراء هي مشروع زراعي يُمثّل جهدًا مشتركًا بين حكومة باكستان والجيش الباكستاني يهدف إلى تعزيز التنمية الزراعية في البلاد.“28 تزْعم المبادرة أنّها تعمل على تحسين الإنتاجية الزراعية من خلال تطبيق التكنولوجيا الحديثة وتقنيات الريّ، مع خلق فرص عمل على نطاق واسع في المناطق الريفية من خلال جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، خاصة من دول الخليج.

بالإضافة إلى الأهداف المُعلَنة، يجب فهم مبادرة باكستان الخضراء على أنّها بُنية مؤسّسية أوسع نطاقًا تعمل الحكومة الباكستانية على تطويرها، بالتعاون الوثيق مع القيادة العسكرية، من أجل تعزيز السيطرة على الأراضي والاستثمارات الزراعية في البلاد. وتشمل هذه البنية إنشاء نظام إدارة معلومات الأراضي، ومبادرة الشركات الخضراء الخاصة المحدودة، والمجلس الخاص لتسهيل الاستثمار، إلى جانب إنشاء ستّ قنوات جديدة في البنجاب، والتي تعمل جميعها مجتمعة على مركزة صنع القرار حول استخدام الأراضي وتوزيع المياه والإدارة الزراعية تحت إشراف الجيش.  

وقد بدأت آثار هذا المشروع الطموح تظهر بالفعل في جميع أنحاء البلاد. ووفقاً للتقديرات، من المتوقّع أن يتشرّد حوالي مليون فلاح ومزارع صغير ويفقدوا ممتلكاتهم بسبب مشاريع الزراعة التجارية في إطار مبادرة باكستان الخضراء29. علاوة على ذلك، أثيرت تساؤلات جدّية حول عملية الاستحواذ على الأراضي من أجل هذه المشاريع.
 
تعود هذه المبادرة إلى أوائل يناير 2023، عندما اقترح الجيش الباكستاني، عقب تشكيل حكومة انتقالية في البنجاب، توسيع مشاريع الزراعة التجارية في المقاطعة في إطار ما أصبح يُعرف باسم مبادرة باكستان الخضراء. وبناءً على هذا الاقتراح، وعلى الرغم من عدم وجود تفويض دستوري لاتخاذ مثل هذه القرارات السياسية طويلة الأجل، وافق مجلس الوزراء المؤقّت على عقود إيجار من مصدر واحد30 لأكثر من 45,000 فدّان من ما يُسمّى بأراضي الدولة في باككار خوشاب وخانوال31 إلى منظمة أعمال الحدود(FWO)، التابعة للجيش، وهي تكتل هندسي وإنشائي، في إطار مشروع مشترك مع حكومة البنجاب يركز على تنمية الزراعة والثروة الحيوانية. تبلغ مدة عقود الإيجار هذه 20 عامًا، ولكن يمكن تمديدها لمدة 10 أعوام أخرى. في يونيو 2023، أعلنت محكمة لاهور العليا أنّ هذه العملية برمّتها غير دستورية، وحكمت بأنّ الحكومة المؤقتة تجاوزت سلطتها وأنّ الجيش ليس له دور دستوري في الزراعة التجارية. ومع ذلك، عُلِّق هذا الحكم في طور الاستئناف في يوليو 2023. وقد مهّد ذلك الطريق للاستحواذ المستمرّ على ما يسمّى بـأراضي الدولة لمشاريع الزراعة التجارية في إطار مبادرة باكستان الخضراء32.

من المهمّ ملاحظة أنّ الأراضي المُصَنَّفة على أنّها مملوكة للدولة هي في الواقع أراضٍ يفلحها مزارعون مستأجرون بموجب نظام الإيجار الذي أدخلته السلطات الاستعمارية البريطانية منذ أكثر من قرن. ومع ذلك، ما زالت حقوق ملكية هؤلاء المزارعين إمّا غير معترَف بها أو تتعرض في كثير من الأحيان للطعن من قِبل الدولة. وبالمثل، العديد من المناطق المصنَّفة على أنها غير مزروعة هي في الواقع مناطق يصل إليها الرعاة والمجتمعات البدوية بشكل موسمي للرعي وكسب الرزق.

أدّت عقود الإيجار المثيرة للجدل الخاصة بالزراعة التجارية، في إطار مبادرة باكستان الخضراء، إلى تمهيد الطريق لطرد المزارعين المستأجرين في جميع أنحاء البنجاب. ومن الأمثلة على ذلك قرية محمد ناغار في منطقة خانيوال، حيث أمر مساعد المفوّض فجأة في 4 نوفمبر 2024 بطرد المزارعين المستأجرين من الأراضي التي عاشوا عليها لمدة 120 عامًا33. ردًا على هذا القرار، نظّم حوالي 300 مزارع محلّي مظاهرات هتفوا فيها بشعار ”المِلْكِيّة أو الموت!“ وأعلنوا أنهم لن يغادروا أراضيهم أبدًا. بعد وقوع اشتباكات تراجعت الإدارة، لكن الشعور بالخوف لا يزال يخيم على المنطقة، ولا يزال المزارعون يتلقون تهديدات بالطرد القسري من السلطة المحلية.

لتسهيل توسيع مبادرة باكستان الخضراء، أنشأت الحكومة في يوليو 2023 آليتين رئيسيتين:

1 - نظام إدارة معلومات الأراضي

أُنْشِأَ نظام إدارة معلومات الأراضي (LIMS) تحت الإشراف المشترك للحكومة الفيدرالية والجيش، وهو عنصر أساسي في مبادرة باكستان الخضراء. ويتمثّل في وكالة حكومية مُكلَّفة بتحديد ورسم خرائط ومراقبة الأراضي المملوكة للدولة والأراضي غير المزروعة من أجل مشاريع الزراعة التجارية في البلاد. وقد حدّد هذا النظام  حتى الآن ما يقرب من 4.8 مليون فدان من الأراضي لمشاريع الزراعة التجارية في المرحلة الأولية من المبادرة34. ويعَد نظام إدارة معلومات الأراضي جزءًا من حملة حكومية أوسع نطاقًا تهدف إلى مركزة اتخاذ القرارات المتعلقة باستخدام الأراضي وتشجيع الأساليب التكنولوجية في الزراعة لزيادة الإنتاجية وغلّة المحاصيل35.

2 - شركة "المبادرة الخضراء" (GCI)

 هي شركة أنشأها الجيش الباكستاني في إطار مبادرة باكستان الخضراء، لإدارة وتأجير الأراضي الصالحة للزراعة التي جرى نقلها إلى سيطرة الجيش من خلال اتفاقيات مشتركة مع حكومات المقاطعات. بينما تظلّ الملكية القانونية للأراضي في يد المقاطعات، تعمل الشركة كوسيط، إذ تؤجّر هذه الأراضي لشركات ومستثمرين أجانب لفترات تصل إلى 30 عامًا لتسهيل مشاريع الأعمال الزراعية واسعة النطاق.

أعقَب هذه التطوّرات توسيعُ نطاق مبادرة باكستان الخضراء لتشمل مقاطعة السند. وعلى الرغم من أنّ المعلومات المتوفرة عن أنشطة مبادرة باكستان الخضراء لا تزال محدودة، ولا تظهر إلّا في عدد قليل من الوثائق المتاحة للجمهور، يمكن تحديد أنّ حكومة السند قامت بالفعل بتأجير حوالي 52,000 فدان من الأراضي الحكومية في مقاطعات خيربور وسوكور وغوتكي إلى مبادرة باكستان الخضراء36.

في حين أنّ 52,000 فدان مستأجرة في السند و45,000 فدان مستأجرة في البنجاب قد تبدوان مساحتين متواضعتين، إلّا أنّ هذه الخطوات الأولية لا تمثّل سوى المرحلة الأولى من خطّة أكبر بكثير لوضع 4.8 مليون فدان من ما يُسمّى بأراضي الدولة والأراضي غير المزروعة في السند والبنجاب تحت ترتيبات إيجار مماثلة. والأهمّ من ذلك، أنّ هذا التطور يمثّل تغييرًا جذريًا في كيفيّة إدارة الأراضي: فالمزارعون المستأجرون الذين سكنوا وحرثوا "أراضي الدولة" منذ الحقبة الاستعمارية سيفقدون حقهم في مِلكيّة أراضيهم؛ وسيُعاد تصنيف الأراضي غير المزروعة، التي كانت في السابق متاحة للمجتمعات الرعوية والريفية بموجب الاستخدام العُرفي، وستُؤجَّر لمشاريع زراعية كبيرة تابعة لشركات. تعكس هذه المبادرة أيضًا الدور المتزايد للجيش في إدارة الاقتصاد السياسي الزراعي، مع التحوّل نحو نموذج يستخدم لغة الاستدامة العالمية بينما يعيد إنتاج البُنى القائمة مُسبقًا للاقصاء والحرمان.

Illustration by Fourate Chahal El Rekaby

Illustration by Fourate Chahal El Rekaby

دخول الاستثمار الخليجي

بدأت مشاركة دول الخليج في مبادرة باكستان الخضراء تتجسّد بالفعل في شكل سلسلة من الصفقات الاستثمارية تشارك فيها دول مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. وقد سهّل هذه الصفقات المجلسُ الخاصّ بتسهيل الاستثمار، وهو هيئة أُنشأت في عام 2023 لتسريع الاستثمار الأجنبي في إطار مبادرة باكستان الخضراء. على سبيل المثال، في عام 2023، التزمت الإمارات العربية المتحدة بأكثر من 35 مليار دولار في صفقات مع باكستان، بما في ذلك استثمارات مباشرة في الزراعة التجارية وإنتاج اللحوم الحلال وإنتاج نخيل التمر لتصديره إلى الإمارات العربية المتحدة37. وقد وقّعت كيانات إماراتية كبرى، مثل ’الظاهرة‘ و’أبو ظبّي القابضة‘ و’مجموعة موانئ أبو ظبّي‘، مذكّرات تفاهم مع الحكومة الباكستانية لتوسيع دورها في البنية التحتية للموانئ واللوجستيات والجمارك. تشير هذه التطورات إلى تعميق وجود الإمارات العربية المتحدة في قطاعيْ الزراعة الغذائية واللوجستيات في باكستان38.
وبالمثل، تموقعت المملكة العربية السعودية بدورها كلاعب رئيسي آخر في الأجندة الزراعية لمبادرة باكستان الخضراء. في عام 2023، تعهدت السعودية باستثمار 25 مليار دولار على مدى سنتيْن إلى خمس سنوات، مع التركيز بشكل أساسي على الزراعة، وقامت باستثمار أوّلي قيمته 500 مليون دولار في مشاريع زراعية جرى تسهيلها من خلال نظام إدارة معلومات الأراضي الجديد39.
 
 دخلت عدّة شركات سعودية، بما في ذلك شركة سرح التقنيّة، والمراعي، وصالح، والخريف، في شراكات مع تكتلات باكستانية، مثل مجموعة فاطمة، لزراعة الأرز والشعير والشوفان والعلف في إطار مشاريع الزراعة التجارية40. كما عُرض على الشركة السعودية للاستثمار الزراعي والحيواني مشروعٌ لإنشاء مزرعة ماشية في البنجاب، تضمّ 30,000 رأس من الماشية وتبلغ طاقتها الإنتاجية السنوية من اللحوم 6,000 طن للتصدير. وأبدت الشركة أيضًا اهتمامًا باستئجار 49,000 فدان من الأراضي لمشاريع الزراعة التجارية41. علاوة على ذلك، خَصّصَت صفقة، مُبرَمة في مارس 2024، 5000 فدّان في باهكار (البنجاب) لزراعة البرسيم الذي سيُصدَّرُ لتغذية الأبقار الحلوب السعودية42. تمّت دعوة شركة الألبان السعودية ’المراعي‘ للانضمام إلى هذا المشروع على الرغم من عملياتها المثيرة للجدل في الولايات المتحدة، حيث تُتَّهم بتحويل مياه نهر كولورادو الشحيحة لزراعة البرسيم في ولاية أريزونا التي تعاني من الجفاف. البرسيم محصول يستهلك كميات كبيرة من المياه، وزراعته في منطقة شبه قاحلة مثل باهكار ستؤدي إلى استنزاف المياه الجوفية التي تشهد نقصًا بالفعل.
 
تكشف جميع هذه المشاريع عن تكامُلٍ مُتعمّقٍ بين القطاع الزراعي الباكستاني وأجندة الأمن الغذائي الخليجية. يجب فهم ذلك في إطار اقتصاد سياسي أوسع نطاقًا، حيث يتم تأطير تراكم رأس المال على أنّه أمن غذائي وتحديث. كما أوضح آدم هنيّة، لا تهدف مثل هذه المشاريع الزراعية في الواقع إلى ضمان حصول سكان الخليج على الغذاء، بل إلى تعزيز قوة الشركات من خلال إعادة تنظيم السيطرة على الموارد مكانيًا وتحويل التكاليف البيئية، ولا سيما استنزاف المياه والتلوث، إلى البلدان المُضيفة43. في باكستان، يتجسّد هذا المنطق من خلال مبادرة باكستان الخضراء، حيث يتعاون مستثمرو الخليج مع الشركات الزراعية التي يقودها الجيش الباكستاني لتحويل الأراضي ”الخالية“، التي تزعم الدولة ملكيّتها، إلى مزارع شركات موجّهة للتصدير. لكن نادرًا ما تتسّم تصنيفات "خالية" أو ”غير مستغلّة“ بالحياد. لطالما كان الرعاة، الذين مُحِيَت حقوقهم غير الرسمية أو العُرفية من خلال إعادة التصنيف البيروقراطية، يصلون إلى الأراضي المصنّفة رسميًا على أنّها شاغرة أو مملوكة للدولة. تكشف دراسة عن صحراء تشولستان أنّ ما يقرب من نصف مليون من الرعاة الروهيين يعتمدون على تربية الحيوانات والرعي الموسمي عبر المراعي الصحراوية44. وتتعرّض سُبُل عيشهم الآن للتهديد بسبب إعادة تخصيص الأراضي لمشاريع زراعية ضخمة في إطار مبادرة باكستان الخضراء. ويفيد سكان المنطقة بأنّه يتمّ الاستيلاء على مناطق الرعيْ التقليدية بشكل منهجي، ممّا يترك مربّيي الماشية والمجتمعات المحلّية من دون بدائل قابلة للتطبيق45.
 
كما يحاجج هنيّة، تُشكّل هذه المشاريع جزءًا من بيئة تَراكُمٍ عبر قُطريّة، تربط الشركات الخليجية والجنوب آسيوية معًا في مشروع مشترك لاستخراج الموارد وتحويل المخاطر البيئية46. وهي تأتي في أعقاب محاولات سابقة فاشلة لزراعة صحاري الخليج، والتي أدّت إلى تدهور بيئي وخسائر مالية فادحة. أفضى ذلك إلى تحوّل استراتيجي وصفته رفيف زيادة (2019) بـ ”تحويل انعدام الأمن الغذائي إلى الخارج“، وهي عمليّة (شرحها كريستيان هندرسون (2020)) يقوم من خلالها رأس المال الزراعي الخليجي بتحويل المخاطر البيئية والغذائية إلى الخارج من خلال عمليات شراء الأراضي عبر القُطريّة47.
Illustration by Fourate Chahal El Rekaby

Illustration by Fourate Chahal El Rekaby

هيدرولوجيا التملّك: مشروع القنوات الستّ

أحد العناصر الرئيسية لمبادرة باكستان الخضراء هو إنشاء ستّ قنوات جديدة في مقاطعة البنجاب. تمت الموافقة على هذا المشروع في يوليو/ تموز 2024، ومن المتوقع أن تروي القنوات التي يبلغ طولها 176 كيلومترًا حوالي 1.2 مليون فدان من الأراضي القاحلة في صحراء تشولستان بمقاطعة البنجاب، بدعم من الاستثمارات العامة والخاصة48. وقد أثار هذا المشروع الضخم بالفعل مقاومةً شرسة في المجتمعات الساحلية السفلى للبلاد، لا سيما في مقاطعة السند.
 
يقترح مخطّطو المشروع أن تستمدّ القنوات الجديدة المياه من نهر سوتليج، إلّا أنّ النهر لا يمتلك في الواقع ما يكفي من المياه لهذا الغرض. إذ أصبح تدفّق المياه في نهر سوتليج مضطربًا للغاية بسبب السدود الهندية في المنبع وتقلّبات المناخ49. ووِفقًا لمعاهدة مياه نهر السند المبرمة بين باكستان والهند عام 1960، فإن الهند تسيطر إلى حد كبير على أنهار رافي وبياس وسوتليج. تشير البيانات الصادرة عن هيئة نظام نهر السند إلى انخفاض مستمرّ في تدفق المياه في هذه الأنهار الثلاثة، في حين أن البنجاب والسند تواجهان حاليًا عجزًا في المياه بنسبة 20٪ و14٪ على التوالي50. وهذا يعني أنّ المياه المخصّصة للقنوات الستّ الجديدة ستُحوَّل على الأرجح من نهر السند، الذي تسيطر عليه باكستان بموجب اتفاقية مياه نهر السند. ومن شأن هذه الخطوة أن تقلّل من حصة السند من المياه، في انتهاك لاتفاق توزيع المياه لعام 1991 الذي يحكم تقاسم المياه بين المقاطعات في باكستان51. وهذا من شأنه أن يتسبّب في أضرار بيئية جسيمة. وعلى وجه الخصوص، سيؤدّي ذلك إلى المزيد من تدمير غابات المانغروف في المناطق القاحلة في دلتا نهر السند، والتي تتطلّب توازنًا دقيقًا بين المياه العذبة ومياه البحر. وسيتسبّب تقليل تدفّق النهر إلى هذه المناطق في زيادة الملوحة، ممّا سيدمّر مواطن المانغروف ويهدّد سبل عيش حوالي 100,000 مزارع يعملون في صيد الأسماك التقليدي في هذه المنطقة52.  كما أنّ ذلك سيقوّض الدفاعات الطبيعية ضدّ الأعاصير والتسونامي، حيث تعمل أشجار المانغروف كحاجز مناخي للمجتمعات الساحلية. علاوة على ذلك، يهدّد مشروع القنوات أيضًا بتحويل حوالي 4 ملايين فدان من الأراضي الزراعية في السند إلى أراضٍ قاحلة، بسبب نقص المياه الناتج عن ذلك53.
 
يعود أصل التفاوت الحالي في ميزان القوى بين البنجاب والسند في ما يتعلق بالوصول إلى المياه إلى الحكم الاستعماري البريطاني. في العصر الاستعماري، كان البنجاب موقعًا لمشروع كبير لبناء قناة استيطانيّة: أنشِأت شبكة ريّ واسعة النطاق عبر حوض نهر السند بهدف دعم الزراعة وفرض سيطرة استراتيجية على المنطقة. من خلال هذا المشروع، طوّر البريطانيون ما يسمّيه المؤرّخون بالصلة العسكرية- الزراعية في المنطقة. إذ كوفِئَ الجنود البنجابيين العائدين من الحروب الإمبراطورية البريطانية في الخارج بأراضٍ في ”مستوطنات القنوات“ التي جرى إنشاؤها حديثًا، حيث سعى البريطانيون إلى خلق طبقة من الفلاحين الموالين الذين سيكونون بمثابة العمود الفقري للنظام الاستعماري في شبه القارة الهندية54.
 
من إرث مشروع الاستعمار البريطاني للقنوات ترسّخت هيمنة البنجاب على الوصول إلى المياه في دولة باكستان ما بعد الاستعمار. يشير المؤرخ دانيش مصطفى إلى هذه البنية التحتية الهيدروليكية باعتبارها موقعًا للهيمنة، حيث تُعامَل المناطق خارج البنجاب كمستعمَرات داخل الدولة القومية الأكبر. يجادل مصطفى بأن نظام الريّ في حوض نهر السند صُمِّم لتمكين الرأسمالية الزراعية الاستخراجية التي يستفيد منها كبار مُلاك الأراضي والنخب العسكرية البيروقراطية. وبالتالي، يجري تحويل المياه إلى أعلى النهر لصالح المناطق الوسطى، على حساب المستخدِمين في أسفل النهر55.

في الواقع، لا تتعلّق شكاوى السِنديّين بشأن المياه بنُدرتها، بل بالاستيلاء التاريخي عليها الذي استمرت فيه دولة ما بعد الاستعمار.

يُعيد مشروع القنوات الستّ، الذي يجري تنفيذه تحت مظلة مبادرة باكستان الخضراء، إنتاجَ منطق مستوطنات القنوات بشكل أساسي، ولكنّه يغلّفه بلغة التنمية الخضراء. خلال الحقبة الاستعمارية، صُمّمت مستوطنات القنوات لتوسيع زراعة المحاصيل النقدية وتحقيق أقصى عائد من الأراضي للإدارة الاستعمارية. وبالمثل، من خلال تحويل المياه إلى مناطق ستستضيف مشاريعا زراعية ضخمة مدعومة برأس مال أجنبي ومحلّي، يحاول مشروع القنوات الست مواءمة البنية التحتية للمياه مع مصالح الشركات المحلية والأجنبية، فيما يحمّل التكاليف البيئيّة للمجتمعات المحلّية في السند.

أُطلِق مشروع القنوات الستّ دون إجراء أي تقييم بيئي أو مناقشة في البرلمان الوطني، ولم تَستَشِر الدولة الأطراف المعنيّة. كما لم يَجْر الحصول على موافقة ولاية السند من خلال مجلس المصالح المشتركة، وهو هيئة دستورية مسؤولة عن حلّ النزاعات وتنسيق السياسات بين الحكومة الفيدرالية والمقاطعات، لا سيما في ما يتعلق بالمشاريع الكبرى بين المقاطعات. وكما هو مذكور أعلاه، مارست البنجاب، باعتبارها المقاطعة الواقعة في أعلى النهر، سيطرة غير متناسبة على الريّ والوصول إلى الأراضي، على حساب السند الواقعة في أسفل النهر. وكما تقول عائشة صدّيقي (2023)، أضْفَت الممارسات المكانية للدولة وإدارة المياه طابعًا مؤسسيًا على تهميش السند في الاقتصاد السياسي الباكستاني، ممّا شكّل تصوّرات دائمة عن الاستغلال الاقتصادي والاقصاء السياسي56.
بالإضافة إلى الاستيلاء التاريخي على الأراضي، نتيجة للبنية التحتية الهيدروليكية، ينبَعُ اعتراض السند على مشروع القنوات الستّ من الواقع المعاش لمجتمعات الدلتا. إذ يعتمد الكثيرون في جنوب السند على النُظُم البيئية النهريّة والدلتاوية لكسب رزقهم. ويُعَدُّ الصيد في الأنهار ومصبّات الأنهار، الذي غالبًا ما يجري على نطاق ضيّق وتديره المجتمعات المحلية، المصدر الرئيسي للدخل لهذه الأُسَر57. ويؤدي تحويل مياه نهر السند إلى تقويض سبل العيش هذه، ممّا يدفع مجتمعات الدلتا إلى الهجرة أو البحث عن عمل مأجور في المدن الكبرى. وهذا يعزّز بشكل أكبر الاغتراب السياسي الذي عانى منه السند لفترة طويلة. ونتيجة لذلك، يُلقي العديد السِنديّين باللوم على الاتحاد الباكستاني في مصادرة أراضيهم.

ولعلّ أكثر ما يثير الدهشة في مشروع القنوات الستّ هو محاولة الدولة تحويل صحراء تشولستان القاحلة إلى أراضٍ صالحة للزراعة من خلال بناء قنوات جديدة، حتى لو كان ذلك على حساب تحويل مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الخصبة في أماكن أخرى إلى أراضٍ قاحلة. فيما تتمثّل المقاربة الأكثر عقلانية في أن يُوضَع حدٌّ للتحويل المستمرّ للأراضي الزراعية إلى مشاريع سكنية عوض توسيع الزراعة إلى مناطق هشّة بيئيًا.

وهناك مبادرة أخرى تجسّد هذه المفارقة، وتكشف بشكل أكبر عن الأخلاقيات المؤذية للمبادرات التنموية الحكومية، وهي مشروع التنمية الحضرية على ضفاف نهر رافي، المعروف أيضًا باسم مشروع RUDA، الذي أطلقته حكومة البنجاب في عام 2020. وقع تقديم هذا المشروع رسميًا على أنّه خطة لترميم البيئة وتجديد المناطق الحضرية من أجل ”إحياء نهر رافي“، ويشمل المشروع الاستحواذ على أراضٍ واسعة تزيد مساحتها عن 10,000 فدان من المناطق الزراعية الخصبة على أطراف لاهور. تحت ستار إعادة تأهيل النهر، يتصوّر المشروع سلسلة من المشاريع العقارية التي سَتُحوّل الأراضي الزراعية الخصبة على ضفاف نهر رافي إلى مشاريع سكنية واسعة النطاق58. وهكذا، بينما تدّعي الحكومة أنها تعمل على ”تخضير“ الصحاري مثل تشولستان، من خلال توسيع شبكات الريّ، فإنها تقوم في الوقت نفسه بتفكيك أكثر المناطق الزراعية إنتاجية في البنجاب من خلال تحويلها إلى عقارات حضرية.
Illustration by Fourate Chahal El Rekaby

Illustration by Fourate Chahal El Rekaby

المجلس الخاصّ بتسهيل الاستثمار

في قلب مبادرة باكستان الخضراء، يقع المجلس الخاصّ بتسهيل الاستثمار (مختس SIFC). وكما سبق ذكره، تعمل هذه الهيئة القوية كقناة أساسية لتسريع المشاريع في إطار المبادرة. وتهدف إلى منح الموافقات السريعة للمشاريع الزراعية والتنسيق بين السلطات الفيدرالية والمحلية لإزالة الروتين البيروقراطي والعقبات التنظيمية أمام المستثمرين المهتمين بالمشاريع المتعلقة بمبادرة باكستان الخضراء. وتضمّ قيادتها كبار ضباط الجيش، مع رئيس الوزراء وقائد أركان الجيش باعتبارهما صانعيْ القرار الرئيسيّيْن. ووفقًا لموقعها الرسمي على الإنترنت، يهدف مختس إلى جذب الاستثمارات من الدول الصديقة في قطاعات مُحدَّدة مثل الزراعة والطاقة المتجدّدة والتعدين، وتحسين سهولة ممارسة الأعمال التجارية في باكستان، وتعزيز التنسيق بين المؤسّسات الحكومية، مع قيام الجيش الباكستاني بدور تيسيري59.
يُعدُّ مختس سليلًا متطورًا للبريتوريانية التي واجهتها باكستان منذ نشأتها، حيث يتخذ الجيش القرارات الوطنية الأساسيّة. حتى الأحزاب السياسية الرئيسيّة في البلاد ترى في مختس أداة لتقليص الاستقلالية التشريعية والمالية التي مُنحت للمقاطعات بموجب التعديل الثامن عشر للدستور الباكستاني، الذي وقع تمريره في عام 602010. كان التعديل إصلاحًا ديمقراطيًا مهمًا على عكس العديد من السمات الاستبدادية للدستور التي أُدخلت عليه في ظلّ الديكتاتوريات العسكرية السابقة. إذ عزّز استقلاليّة المقاطعات وأعطى مظهرًا لسيادة البرلمان على صنع القرار الوطني. وكان بمثابة ثِقل مُوازنٍ ديمقراطي لعقود من الحكم العسكري والمركزية على المستوى الاتحادي61.

لم يرتح الجيش لهذا التعديل لأنّه أضعف السيطرة المركزية من خلال نقل السلطة الإدارية إلى الوحدات الفدراليّة. كما أنه يقلّل من نفوذ المركز على توزيع الموارد بمنحه المقاطعات استقلالية مالية أكبر، ممّا يقلّص من الحيز المالي للحكومة الاتحادية. ويقول المنتقدون إنّ المجلس هو محاولة لإعادة مركزية السلطة الدستورية من الباب الخلفي، وإنّه يقوّض روح التعديل الثامن عشر، لأنّ الهيئة تفتقر إلى الشرعية الدستورية وتتجنب العمليّة الديمقراطية. ولا تناقش قراراتها في البرلمان، ولا تخضع لرقابة المقاطعات. ويسعى المجلس إلى مركزة قرارات الاستثمار المتعلّقة بالزراعة والطاقة والتصنيع وحتى السياحة، وهي مجالات تقع دستوريًا ضمن اختصاص المقاطعات بموجب التعديل الثامن عشر.

على عكس الانقلابات العسكرية الصريحة في الماضي، فإنّ تجاوزات الجيش اليوم مُقنَّعة بلغة الاستثمار والإصلاح. لكن الهدف الأساسي لا يزال كما هو: توسيع نطاق نفوذ الجيش المؤسّسي. فقد أدّى التحديث الذي قاده الجنرال أيوب في الستينيات إلى إثراء الطبقة الأرستقراطية المالكة للأراضي، في حين استفاد أباطرة العقارات من حملة الخصخصة التي قادها الجنرال مُشرَّف في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. في كلّ مرّة، كانت الإصلاحات تبدأ بالاستشهاد بخطاب التنمية والمصلحة الوطنية. ويستخدم مختس نفس الأسلوب: في مواجهة أزمة اقتصادية من صنعها، تبرر النخبة الحاكمة الآن التغييرات الجذرية في الحوكمة بالاستناد إلى ”الكفاءة“ على حساب الشرعية، و”التنمية“ على حساب العدالة. وفي جوهرها، هذه محاولة لإعادة هيكلة الاقتصاد لصالح النخب الراسخة، وليس استجابة للانهيار الاقتصادي.

هذا التجديد ليس جديدًا: هو يستند إلى إرث السيطرة المركزية الذي أسّسه النظام الإداري الاستعماري البريطاني. فقد ورثت دولة ما بعد الاستعمار الأجهزة التي أنشأها البريطانيون لتسهيل النهب الإمبراطوري - وهو ما وصفه المؤرخ حمزة علوي بأنه دولة مفرطة في التطور62. خلال الحقبة الاستعمارية، كُلّفت مؤسّسات عسكرية وبيروقراطية قوية، على غرار المؤسسات البريطانية، ومشبَعة بروح الانضباط الهرمي، بمهمة الحفاظ على النظام وتسهيل الاستخراج. في شبه القارة الهندية، امتدّت هذه الآليات إلى ما أبعد من الجيش والبيروقراطية لتشمل أنظمة قوانين ومِلكيّة شاملة مصمَّمة لتأمين السيطرة الإمبراطورية. ضمن هذا النظام، كان القانون في المقام الأول أداة لمصادرة الموارد، وليس وسيلة لضمان العدالة.
 
مكّنت قوانين مثل قانون البنجاب للتصرف في الأراضي لعام 1900 من تسهيل فرض الضرائب، وضمان بقاء الأراضي في أيدي الطبقات الزراعية الموالية للتاج البريطاني63. وبالمثل، وقع تجريم أنماط الحياة الرعوية المتنقلة بموجب قانون القبائل الإجراميّة وقوانين الغابات المختلفة، التي أعادت تعريف الأراضي المشتركة على أنها ملكيّة للدولة، ممّا حدّ من وصول السكان الأصليين إليها. ظلّت هذه الأدوات القانونية سارية إلى حدٍّ كبير في فترة ما بعد الاستعمار، ممّا مكّن النخبة من السيطرة على الأراضي والموارد64. قانون الاستحواذ على الأراضي لعام 1894 هو مثال على ذلك.  وقد أدخلها البريطانيون في البداية لتوحيد الأراضي التي شُيّدت عليها السكك الحديدية والبنية التحتية الإمبراطورية، ولا تزال سارية المفعول حتى اليوم مع تعديلات طفيفة. ويُستنَد إلى بندها الغامض المتعلّق بحيازة الأراضي من أجل ”الصالح العام“ لمصادرة الأراضي من أجل مشاريع عقارية وأخرى تنموية يديرها الجيش.
Illustration by Fourate Chahal El Rekaby

Illustration by Fourate Chahal El Rekaby

مبادرة الطاقة المتجددة التي أطلقها ’مختس‘

بينما يوجّه ’مختس‘ ويوافق في المقام الأول على الاستثمارات الزراعية واسعة النطاق في إطار مبادرة باكستان الخضراء، فإنّ ولايته تتوسّع الآن لتشمل قطاعات استراتيجية أخرى، مثل الطاقة المتجدّدة. ومن بين أولوياته المعلَنة جذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية إلى قطاع الطاقة المتجددة في البلاد، الذي تُقدَّر طاقته بـ 3300 جيجاوات65. ويأتي هذا التحوّل نحو الطاقة المتجدّدة في إطار الوعد الأوسع نطاقًا بالاستدامة والبيئة الخضراء. وتتمثّل طموحات ’مختس‘ المصرّح بها في إضافة 60 جيجاوات من الطاقة المتجدّدة إلى شبكة الكهرباء في البلاد من خلال جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية بحلول عام 2034. ووفقًا لتوقعاته، فإن تحقيق هذا الهدف سيقلّل من الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورَد، مثل الغاز الطبيعي المسال والنفط والفحم، الذي يُستورَد حاليًا بشكل أساسي من دول الخليج، ممّا يوفّر العملات الأجنبية الضرورية. كما سيساعد ذلك في تقليل الحاجة إلى ”تخفيف الأحمال“ (انقطاعات مؤقتة في التيار الكهربائي)، مع المساهمة في جهود التخفيف من آثار تغير المناخ في إطار المساهمات المحدَّدة وطنيًا لباكستان66.
 
لكن خطّة ’مختس‘ الطموحة لتعزيز الطاقة المتجدّدة تتعارض بشكل واضح مع المبادرات السياسية الأخيرة للحكومة في قطاع الطاقة، بما في ذلك الجهود الرامية إلى إعاقة نمو أنظمة الطاقة الشمسية اللامركزية على أسطح المنازل، والتي يتزايد عدد المواطنين الذين يقومون بتركيبها. وقد أفادت وكالة رويترز67 وصحيفة فاينانشال تايمز68 أنّ ازدهار الطاقة الشمسية على أسطح المنازل في باكستان، هو مثال نادر على الابتكار من القاعدة إلى القمّة في نظام طاقة، يعاني من خلل وظيفي. في أوائل عام 2025، سجّل أكثر من 125,000 مستهلك توصيلات طاقة شمسية مزوّدة بعدّادات صافية، بقدرة إجمالية تزيد عن 1,200 ميجاوات. وهذا يعادل حوالي 2.5% من إجمالي القدرة التي وقع تركيبها في باكستان. وعلى الرغم من أن حجم الطاقة الشمسية على الأسطح لا يزال متواضعًا مقارنة بالشبكة الوطنية، إلا أنها أسرع قطاعات سوق الطاقة المتجدّدة نمواً. أدّى الارتفاع المفاجئ في الطاقة الشمسية إلى فرض عبء سنوي يتراوح بين 570 و720 مليون دولار على المستخدمين غير المستفيدين من الطاقة الشمسية، حيث تُمنَح الأسر المستفيدة من الطاقة الشمسية رصيدًا مقابل الطاقة التي ترسلها إلى الشبكة بنفس السعر الذي تدفعه مقابل الكهرباء، على الرغم من أنّها لا تشارك في التكاليف الثابتة لصيانة النظام69. وقد أدّى ذلك إلى زيادة التعريفات على المستهلكين الذين يعتمدون على الشبكة الوطنية، ممّا دفع قطاع الطاقة في باكستان إلى ما يسميه المحلّلون ”دوّامة الموت“، حيث تدفع التعريفات المتزايدة المزيد من الناس إلى اعتماد الطاقة الشمسية، ممّا يقلص قاعدة العملاء الذين يدفعون70. في مارس 2025، استجابت الحكومة لهذه المشكلة بخفض معدل القياس الصافي من 27 روبية باكستانية للوحدة (0.10 دولار) إلى 10 روبية باكستانية للوحدة (0.037 دولار)، ممّا أدّى إلى انخفاض كبير في العائدات المالية لمستخدمي الأسطح الشمسية. ونتيجة لذلك، زادت فترة الاسترداد المتوسّطة، أي الوقت اللازم للأسر لاسترداد التكلفة الأولية لتركيب أنظمة الطاقة الشمسية من خلال التوفير في فواتير الكهرباء، من حوالي عامين إلى ما بين عامين وخمسة أعوام71.
 
تعكس هذه السياسة اتجاهات متضاربة داخل الحكومة: فمن ناحية، تسعى إلى جذب استثمارات أجنبية واسعة النطاق في مجال الطاقة المتجدّدة في إطار مبادرة باكستان الخضراء؛ ومن ناحية أخرى، تُثبط التحول إلى الطاقة الشمسية بقيادة المواطنين. تشير هذه التناقضات إلى تفضيلٍ أوسع نطاقًا للمشاريع كثيفة رأس المال ونموذج لتوليد الطاقة المتجددة يكون مُربحًا للمستثمرين، بدلاً من نموذجٍ يعطي الأولوية للوصول العادل أو تلبية احتياجات الناس من الطاقة. وبدون مواءمة التخطيط على المستوى الكلّي مع واقع الابتكار من القاعدة إلى القمة، فإنّ طموحات البلاد في مجال الطاقة المتجدّدة تخاطر بأن تصبح استخراجية - ليس فقط من خلال الاستيلاء على الموارد، ولكن من خلال ما تسميه شاليني رانديريا ”إعادة التركيب الماكرة“ للسلطة الحكومية وسلطة السوق التي تهمّش المطالبات المحلّية بالمشاعات. وبهذا المعنى، تعمل ”الدولة الماكرة“ من خلال استحضار لغة الاستدامة لتوسيع سيطرتها على الموارد، ممّا يسمح لقوى السوق والمؤسسات البيروقراطية بتعزيز بعضها البعض بطُرقٍ تعمّق التسلسل الهرمي القائم - وهو ترتيب يعزّز في نهاية المطاف سلطة الدولة بدلاً من إضفاء الطابع الديمقراطي على الحوكمة72.
Illustration by Fourate Chahal El Rekaby

Illustration by Fourate Chahal El Rekaby

المقاومة ضد مبادرة باكستان الخضراء

في السند، تقود أحزاب سياسية مختلفة الجهود المعارضة لإنشاء القنوات الستة والزراعة المؤسّسيّة، منها حركة ’عوامي تحريك‘ وحركة ’جاي سند ماهاز ‘، بالإضافة إلى حركة ’بولان باشاو‘، التي يقودها زو الفقار جونيور، والتي تعمل على حماية دلافين نهر السند. وتشكّل هذه المنظمات، إلى جانب حركات اجتماعية وسياسية أخرى من مختلف أنحاء البلاد، مقاومة عابرة للمحافظات تستند إلى تجارب مشتركة في مجال نزع الملكية. وهذا النزع للملكية هو ما يؤكد عليه زو الفقار جونيور عندما يصف مشروع القنوات الستّ بأنّه سيفيد رأس المال الخاص، وليس المزارعين من دون أرض في تشولستان والسِند73.
 
تلقى مقاومة مشروع القنوات الستّ صدًى قويًا في ولاية السند بشكل خاصّ، حيث جذبت الكُتاب والشعراء وغيرهم من أعضاء النخبة المثقّفة الذين أدانوا جماعيًا مشروع تحويل الأراضي إلى قنوات74. ويشكّك الخبراء في هذا الشأن في جدوى المشروع ووضعه القانوني75. وتُعَدّ هذه القضية نقطة التقاء لمجموعات متباينة في الولاية ترى فيها خيانة أخرى من قِبل حزب الشعب الباكستاني الحاكم. وعلى الرغم من أنّ الحزب أعلن معارضته للمشروع، فإن المنتقدين يشيرون إلى عجزه عن الدفاع عن مصالح المقاطعة بسبب تدخّل الجيش، ويقولون إن الحزب متواطئ في النمط الأوسع لـ ”العسكرة التنموية“ التي تعزّز سيطرة الدولة على الأراضي والموارد. ونتيجة لذلك، اتّسعت فجوة الثقة بين الحزب وقاعدته الشعبية التقليدية في المناطق الريفية من السِند، حيث يُنظر إلى تحويل الأراضي إلى قنوات وتوسع الزراعة  التجارية على أنّهما من أشكال الاستعمار الداخلي76.
 
لذلك، أصبحت المؤتمرات العامة والمسيرات والاحتجاجات أمرًا معتادًا في المقاطعة، مع صدور قرارات تدعو إلى توزيع الأراضي على الفلاحين وإلغاء ’مختس‘77. وقد أدانت الأحزاب القومية مثل ’قومي عوامي تحريك‘  و’جي آي سيند ماهاز‘ مبادرة باكستان الخضراء بشكل عام باعتبارها تهديدًا وجوديًا للزراعة وسُبُل العيش في المقاطعة، محذّرة في الوقت نفسه من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي الأوسع نطاقًا الذي قد تُسبّبه. بالنسبة للكثيرين في السِند، يمثّل النضال ضدّ هذه المشاريع دفاعًا عن نهر السند باعتباره شريان الحياة، ورفضًا لتدخل الشركات والسلطات الفيدرالية في شؤون المقاطعة.
في البنجاب، تقود 'أنجومان-إي-مازارين البنجاب' (أمب) و'لجنة باكستان كيسان رابطة' (لبكر)78 المقاومة ضد الزراعة  التجارية ومبادرة باكستان الخضراء. تتمتع هذه الحركات بتاريخ حافل في تعبئة القواعد الشعبية لتصحيح المظالم التاريخية. تقف (أمب) في طليعة ما يُعرف على نطاق واسع باسم حركة مَزارع أوكارا العسكرية، وهي حركة نضال سلمي من أجل حقوق الفلاحين في البنجاب تُركّز على مسألة ملكية الأراضي في أوكارا، التي خصصتها الإدارة الاستعمارية البريطانية للعائلات المحلية منذ أكثر من 120 عامًا، ولكنها الآن تحت سيطرة الجيش. أنشأت الدولة الاستعمارية البريطانية هذه المزارع كجزء من مخططها لاستعمار القنوات (المشار إليه سابقًا) لخدمة سلاسل الإمداد العسكرية: وقع توطين المستأجرين بالأرض لزراعتها بشرط أن يدفعوا إيجارًا ثابتًا. يشرح مهر غلام عباس، رئيس (أمب): ”عندما أُنشِأت باكستان، كان ينبغي أن تُمنَح لنا هذه الأراضي تلقائيًا. بدلاً من ذلك، عهدت الدولة إلى إدارات مختلفة بمسؤولية أراضينا، وطلبت منا المشاركة في المحاصيل“. بدأ النزاع الحالي في أوائل عام 2000 عندما حاول الجيش الباكستاني تحويل وضع المستأجِرين إلى مزارعين متعاقدين، ممّا يعني أنّ الجيش سيصبح مالكًا قانونيًا للأراضي وسيعمل المزارعون عليها كعمّال بأجر. رفض المستأجِرون، بقيادة (أمب)، هذا الأمر وحاججوا بأنّهم الملّاك الشرعيّون للأراضي. قاوم المستأجِرون الإخلاء وأطلقوا حركة جماهيرية سلمية للمطالبة بالاعتراف بحقوقهم في الأرض. ورَدًا على ذلك، وقع اعتقال قادة (أمب) بموجب قوانين مكافحة الإرهاب، واتُهموا بأنهم عملاء مدعومون من الهند.
 
منذ عام 2000، حشدت (أمب) مئات الآلاف من المزارعين حول مطلبهم الرئيسي المتمثل في ملكية الأراضي في أوكارا79. يؤكّد مهر غلام عباس: ”لدينا شعار واحد: “ملكيّة أرضنا أو الموت”. وترتكز كلماته على شعور عميق بالانتماء الجيلي: “قبرُ جدّي هنا، وكذلك قبر أبي، وكذلك سيكون قبري. أبنائي هم الجيل الرابع الذي يزرع هذه الأرض ولن نتنازل عن شبر واحد منها لأي شركة"80.

في مؤتمر صحفي عُقد في لاهور في وقت سابق من هذا العام، اجتمعت مختلف الحركات والأحزاب السياسية والجمعيات الزراعية التقدمية، بما في ذلك (أمب)، وتعهّدت بمقاومة الزراعة  التجارية ومبادرة باكستان الخضراء على وجه التحديد. عُقد المؤتمر الصحفي بعد أن حاولت الشرطة طرد المستأجِرين من مزرعة في هاسيلبور، في منطقة باهاوالبور في البنجاب. منذ ذلك الحين، تطورت معارضة الزراعة  التجارية من نزاعات إيجار محلية إلى حركة زراعية وطنية تحظى بدعم الأحزاب السياسية والمجتمع المدني.

إلى جانب (أمب)، هناك لاعب رئيسي آخر في هذه المعركة هو 'لجنة باكستان كيسان رابطة' (لبكر). وهي شبكة واسعة تضمّ أكثر من 20 منظمة للفلاحين والمزارعين من ثلاث مقاطعات. تأسست (لبكر) في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين لتنسيق نشاط الجماعات المعنيّة بقضية مَزارع أوكارا العسكرية. يؤكد أمينها العام فاروق طارق: ”لقد جمعتنا مبادرة باكستان الخضراء، ولهذا تمكّنا من حشد أكثر من 30 بلدة ومدينة في جميع أنحاء باكستان لمعارضة الزراعة  التجارية ومشروع القنوات الستّ، وبات يُستمَع إلينا ونُؤخَذُ على محمل الجد.81” كما تشير هذه الكلمات، يعتقد طارق أن مبادرة باكستان الخضراء والزراعة  التجارية قد جمعت اليساريين والتقدميين والقوميين حول أجندة مشتركة واحدة: “كانت المياه دائمًا قضية قومية في السند، ولكن كما ترى، حتى الحركات والجماعات الزراعية في البنجاب عارضت بناء القنوات الستّ ووقفت إلى جانب إخوانهم وأخواتهم السِند. وقد بعث هذا برسالة جيدة للغاية وشكَّل جبهة متّحدة ضد سيطرة الشركات82." أوضح طارق أنّ (لبكر) دعَت، بالتعاون مع (أمب)، إلى يوم تحرّكات في 14 أبريل 2025.
 
يشكّل تقارب النضال عبر الحدود الإقليمية تحوّلًا في المشهد السياسي بالبلاد. ففي النزاعات السابقة حول المياه والأراضي، تعمّقت الانقسامات الإقليمية. على سبيل المثال، كان مشروع سدّ كالاباغ المُقتَرح على نهر السند في كالاباغ بمقاطعة ميانوالي، البنجاب، موضوع خلاف إقليمي حادٍ خلال نظام مشرّف (2001-2008). وقد أثار السدّ، الذي لم يتم بناؤه قطّ، معارضةً واسعة من مقاطعتيْ السند وخيبر بختونخوا، ومن جماعات المجتمع المدني على نطاق أوسع، التي رأت فيه آليّةً من شأنها إدامة سيطرة البنجاب على المياه. ولم تُقسّم هذه القضية الحكومات الإقليمية فحسب، بل قسّمت أيضًا المجتمع المدني والجماعات التقدّمية، ممّا أدى في الأساس إلى إثارة النزاع بين سكان المقاطعات المختلفة في باكستان. على النقيض من ذلك، أدّت المعارضة لمبادرة باكستان الخضراء ومشروع القنوات الستّ إلى زيادة التضامن بين حركات المزارعين. يؤكد فاروق طارق: ”كان حدثًا تاريخيًا أن تقود جماعات في البنجاب المعارَضة لمشروع القنوات الستّ، والتي انضمت إليها لاحقًا مقاطعة السند. كان هذا دائمًا هدفنا: توحيد الحركات والقتال معًا“83.
 
وحّدت مقاومة الزراعة  التجارية، ومبادرة باكستان الخضراء والقنوات الستّ، مختلف القوى التقدمية في البلاد. وبالإضافة إلى تلك التي سبق ذكرها، تشمَل هذه القوى الأحزاب اليسارية، مثل حزب ’حقوق الشعب‘  وحزب ’باكستان مازدور كيسان‘، إلى جانب الجهات الفاعلة الحضرية مثل الصحفيين والمنظمات الطلابية. ومن السمات المميّزة لهذا التحالف أنه يعيد تعريف لغة التنمية لتُركّز على حقوق المزارعين والفلاحين. وهو يقدم رؤية بديلة للرؤى الوضعيّة للتنمية، التي تقودها الدولة. لهذا التحالف الواسع القدرة الكامنة على إعادة تشكيل ميزان القوى بين الدولة والمجتمعات الريفية، لكنّه يواجه مخاطرا أيضا. في الماضي، استُخدمت تشريعات مكافحة الإرهاب مرارًا وتكرارًا لتجريم التعبئة السلمية، ويشكّل استمرار وجودها تهديدًا خطيرًا للحركة التي تقاوم الزراعة  التجارية ومبادرة باكستان الخضراء. كما أنّ دعم الشرطة والجيش للمزَارع التجارية يزيد من خطر الترهيب والطرد. علاوة على ذلك، في حين تُظهر هذه الحركة قوّة متزايدة، فإنّ إمكانية تحقيقها لتغيير هيكلي طويل الأمد لا تزال غير مؤكَّدة.

تثير التطورات الجارية المتعلقة بالزراعة التجارية ومبادرة باكستان الخضراء ومشروع القنوات الستة أسئلة حاسمة حول التحوّل من مجمّع صناعي عسكري إلى مجمّع زراعي صناعي عسكري آخذ في الظهور في باكستان. يثير السعي إلى تراكم رأس المال، من خلال برامج الزراعة الخضراء، الحاجة إلى التفكير بعناية في كيفية استخدام السلطات الحكومية لمصطلح الاستدامة من أجل تجريد المجتمعات المحلية من ممتلكاتها، وفي بعض الحالات، التسبب في مزيد من الأضرار البيئية. كما يسلّط الضوء على تزايد مشاركة الجهات الفاعلة عبر القُطريّة في هذه المبادرات. وأخيرًا، يدعو ما سبق إلى إيلاء مزيدٍ من الاهتمام للطريقة التي أشرفت بها باكستان، على الرغم من أنها ليست من المساهمين الرئيسّيين في تغير المناخ العالمي، على ”نظام تنموي“ غالبًا ما أدّى إلى مفاقمة الآثار المحلية والإقليمية لتغيّر المناخ.