مبادرة باكستان الخضراء الرأسمالية الخضراء وسلب الأراضي الريفية في باكستان
في 11 يوليو 2025، ومع غمر أمطار موسم الرياح الموسمية لمدينة لاهور، أطلقت باكستان مبادرة باكستان الخضراء المدعومة من الجيش، والتي تتضمن إنشاء مزارع تابعة للشركات وست قنوات جديدة في البنجاب. ورغم تسويقها تحت مسمى "التحديث"، إلا أنها تتسبب في عمليات إخلاء للمزارعين الصغار، ونزاعات على المياه العذبة مع إقليم السند، واستثمارات خليجية ضخمة، وحركة احتجاجية متنامية يقودها شخصيات مثل "ذو الفقار الصغير".
Illustration by Fourate Chahal El Rekaby
ملخص تنفيذي
مبادرة باكستان الخضراء هي برنامج يقوده الجيش، وأُطلق في عام 2023 لتعزيز الزراعة التجارية من خلال مشاريع الريّ واسعة النطاق والاستثمار الأجنبي (بشكل رئيسي من دول الخليج) في الزراعة. يتمّ تقديمها على أنّها استجابة شاملة للتحدّيات الاقتصادية والبيئية التي تواجهها باكستان، وتَعِدُ بالزراعة الآلية والتنمية الخضراء. ومع ذلك، على الرغم من هذا الخطاب حول الاستدامة، تعكس مبادرة باكستان الخضراء أنماطًا طويلة الأمد في الاقتصاد السياسي الباكستاني، حيث يلعب الجيش دورًا مهيمنًا في الحكم ويسيطر على مساحات شاسعة من الأراضي.
يضع هذا المقال مبادرة باكستان الخضراء في سياق تاريخي يمتدّ من ”مستوطنات القنوات“ الاستعمارية إلى المشاريع الضخمة ما بعد الاستعمار، ويوضح كيف عملت مخطّطات التنمية على تعزيز سيطرة النخبة على الأراضي بدلا من إعادة توزيعها. يمثّل هذا البرنامج تحوّلًا من نظام ملّاك الأراضي الزراعية إلى الأعمال التجارية الزراعية التي تقودها الشركات بدعم من المؤسسات الحكومية الرئيسية والمستثمرين الأجانب.
تسمح التغييرات القانونية والسياسية في إطار مبادرة باكستان الخضراء بتأجير أراضي الدولة على المدى الطويل لشركات يديرها الجيش وشركات الزراعة التجارية، التي تتّخذ من الخليج مقّرًا لها. تمنح هذه الترتيبات لهذه الشركات نفاذًا آمنًا إلى الموارد الزراعية الباكستانية، في حين تواجه المجتمعات التي زرعت هذه الأراضي لأجيال طويلة خطر الطرد. تقع المخاطر والأضرار البيئية، مثل استنزاف المياه الجوفية وتدمير غابات المانغروف وندرة المياه، على عاتق سكان الريف، في حين يغادر معظم الأرباح البلاد.
تخفي مبادرة باكستان الخضراء منطقَها الاستخراجي في ثنايا صياغة هذه العمليّات بمصطلحات خضراء. وبذلك، تُوضَع باكستان في خضم اتجاه عالمي يُستخدم فيه الفعل من أجل المناخ لدفع تراكم رأس المال وسيطرة النخبة، بدلا من معالجة التفاوتات البيئية والاجتماعية.
مقدّمة
على الرغم من التصنيف الرسمي لمبادرة باكستان الخضراء على أنّها تهدف إلى تعزيز الإنتاجية، إلا أنها تعمل كإطار مؤسّسي يتم بموجبه تأجير مساحات شاسعة من الأراضي العمومية للشركات الزراعية. وبموجب هذا المخطّط، تقوم الحكومات الإقليمية بتحديد الأراضي التي تُسمّى ”قاحلة“ أو ”غير مستغَلّة“ وتحويلها إلى شركة يديرها الجيش، وهي شركة Green Corporate Initiative Pvt. Ltd.، التي تأسّست تحت إشراف المجلس الخاص لتسهيل الاستثمار (مختس). ثم تدخل هذه الشركة في اتفاقيات إيجار طويلة الأجل - عادةً لمدة 20 إلى 30 عامًا - مع مستثمرين محلّيين ومن الخليج، الذين يطوّرون هذه الأراضي للأعمال الزراعية الموجَّهة للتصدير.
في حين تتستّر مبادرة باكستان الخضراء بلغة الإنتاجية والاستثمار، تُسلّط العديد من الحركات في أنحاء البلاد الضوء على الواقع الأكثر قتامة: حركات الناس الذين تُسلَب منهم أراضيهم، وأصحاب الأراضي التي يستولي عليها رأس المال المحلّي والأجنبي، غالبًا من دول الخليج.
Illustration by Fourate Chahal El Rekaby
جذور سيطرة النخبة: دولة مُطوَّرة عسكريًا والتشكيلات الطبقية في باكستان
بمساعدة الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة، ضخّ الجنرال أيوب مليارات الدولارات في القطاع الزراعي الباكستاني، مما أدى إلى حدوث تحول ثوري في المشهد الزراعي للبلاد7. وكتبت وسائل الإعلام الغربية تقاريرا عن كيفية سير باكستان على الطريق الصحيح لتصبح ما يسمّى بـ ”النمر الآسيوي“. كانت المساعدة المالية للزراعة الباكستانية جزءًا من محاولة لإضفاء الشرعية على الدكتاتورية العسكرية في باكستان، مع قمع احتمال حدوث تمرّد فلاحين من النوع الذي كان شائعًا في معظم دول الجنوب خلال تلك الفترة8. في الواقع، جادل نيك كولثير بأن المساعدة الزراعية الأمريكية لآسيا خلال الحرب الباردة كانت شكلا من أشكال الثورة المضادة الخضراء، قائلا: "أصبحت الثورة الخضراء السلاح المفَضَّل لضمان بقاء ميزان القوى في صالح أمريكا. اتّجهت واشنطن إلى التكنولوجيا الزراعية للتخفيف من حدّة الفقر وتعزيز النموّ الاقتصادي إلى مدى من شأنه ”تأديب السياسة [الآسيوية] الجامحة ودعم الأنظمة العميلة“9.
ومن هذا المنظور، استُخدِم احتكارُ واشنطن التكنولوجي كأداة ”لتأديب“ السياسة، من خلال ربط الفلاحين والمزارعين بنظام مُعَقَّدٍ من مؤسّسات الائتمان وتجريدهم من أراضيهم واستقلاليتهم الزراعية. في ظلّ هذا النظام الجديد، اضطرّ المزارعون إلى الحصول على قروض وشراء البذور واستخدام الأسمدة الكيماوية وبيع المحاصيل النقدية. وبذلك أصبحوا جزءًا من دائرة اقتصادية خاضعة للرقابة10، أعادت هيكلة العلاقات الاجتماعية وقوّضت إمكانيات التنظّم والانتفاض11. وقد صوّر هذا النظام الجديد الجوع على أنه تحدٍ تقني، يتعلّق ببساطة بـ ”نقص السعرات الحرارية“، بدلا من كونه مسألة سياسية مرتبطة مباشرة بعدم المساواة ونزع ملكيّة الأرض12.
في حين تتمتّع الجيوش في دول مثل مصر وتركيا بقوة اقتصادية كبيرة، فإنّ حجم السيطرة المباشرة للجيش على الأراضي في باكستان غير عادي: إذ يوجد بها واحدة من أكثر الطبقات العسكرية المالكة للأراضي رسوخًا في العالم. من خلال ملكيتها للأراضي، ووصولها التفضيلي إلى المياه، ورعاية الدولة (في شكل إعانات للزراعة)، تهيمن النخبة العسكرية المالكة للأراضي على الاقتصاد الريفي وتكسب الإيجارات والأرباح، ولكنها بعيدة عن الزراعة الفعلية. من ناحية أخرى، يتعرّض المستأجرون لخطر الإخلاء، لا سيما عندما يؤدّي الدافع الربحي إلى تحويل الأراضي الزراعية إلى عقارات، لا سيما في ما يتعلّق بمشاريع الإسكان الفاخرة.
الجديد في هذا الانتقال من نظام مُلّاك الأراضي الزراعية إلى الرأسمالية العقارية هو دخول مجموعات نخبوية جديدة في مجال السيطرة على الأراضي وإدارتها، وهو مجال كانت تهيمن عليه في السابق العائلات الإقطاعية. بدءًا من الثمانينيات وتسارعًا بعد الألفية الجديدة، أصبحت هذه النخبة تضمّ جنرالات عسكريين وقضاة وبيروقراطيين وأباطرة عقارات، يعملون بالشراكة مع مؤسسات الدولة الرئيسية. وبالتالي، في حين تمثّل الرأسمالية العقارية مرحلة جديدة من تراكم رأس المال، فإنّها تبني أيضا على الهياكل الإقطاعية القديمة. والأهمّ من ذلك، أنّ أنماط نزع الملكية مستمرّة. كما أنها حالة من استيلاء النخبة، التي تتخذ شكل استغلال الثغرات القانونية، والتأثير على سلطات التنمية المحلية، وخلق اقتصاد موازٍ قائم على توقعات ارتفاع قيمة الأراضي. كلّ هذا مثال نموذجي عمّا أشار إليه ماركس برأس المال الوهمي.
دخل المسار التاريخي الذي شَهد تحوّلاً من الإقطاع الزراعي إلى الرأسمالية العقارية مرحلة جديدة الآن: مرحلة الرأسمالية الخضراء. هذه المرحلة الجديدة من التراكم مُغطّاةٌ بخطاب أخضر ومعجم الاستدامة، لكنها تُنفَّذ من قِبَل نفس الجهات الفاعلة المشاركة في الرأسمالية العقارية. وبالتالي، هي تُمثّل تحوّلاً في اللغة وليس في المنطق. يعكس هذا التحول الاتجاه العالمي للرأسمالية الخضراء، إذ يقع تصميم الإجراءات المناخية لتوليد التمويل واستخراج الريْع، بدلاً من تعطيل منطق الاستخراج أو مواجهة الظلم البيئي والمناخي. في الرأسمالية الخضراء، تُستخدَم لغة ”الزراعة الذكية مناخيًا“ وما يُسمّى بتقنيات ”الثورة الخضراء الجديدة“ بشكل متزايد في خطاب الدولة والجهات المانحة.
وبالتالي، أصبحت حماية البيئة، في ظلّ الرأسمالية الخضراء، مجالًا جديدًا تستحوذ عليه النخبة، ممّا يتيح لها الاستيلاء على الأرض تحت ستار الإدارة البيئية. وليس الهدف من ذلك استعادة النُظم البيئية، بقدر ما هو إعادة إضفاء الشرعيّة على الاستيلاء على الأراضي باسم الحفاظ على البيئة والكفاءة الزراعية وتعويضات الكربون.
Illustration by Fourate Chahal El Rekaby
زراعة الأرباح: تفكيك مبادرة باكستان الخضراء
وارث شاہ نیویں نیویں وسدا، جتھے کھیتی روئے کھُرکاں مارے
”واريس شاه يمشي ورأسه مُنحنٍ عبر القرى حيث المحاصيل تئن تحت وطأة القهر“ — واريس، في هير.
في البنجاب تُعتَبر رواية ’هير‘ للكاتب واريس شاه بمثابة نظير ’الإلياذة‘ و’الشاهنامه‘ و’ألف ليلة وليلة‘. إنها رواية عن الحبّ والأرض، مليئة بالصور الريفية، حيث تنطلق الشخصيات في مونولوجات وحوارات غالبًا ما تكون ذات دلالات روحية واجتماعية. هير هي تحفة من تحف الأدب الصوفي البنجابي، كُتبت في القرن الثامن عشر وتعكس تقليد سرد القصص في جنوب آسيا المعروف باسم ”قصّة“. هير التي تُغنَّى ويُحتفى بها منذ قرون، تعكس بشكل مخيف أنماط المعاناة الزراعية التي نراها في البنجاب الحديثة. هير في رواية واريس شاه هي حبيبة البطل رانجها. وهي ليست مجرّد امرأة، بل هي أيضًا رمز لأرض البنجاب: خصبة، فخورة ومستقلّة، لكنها تخضع للهيمنة. يُظهر زواجها القسري لحماية شرف عشيرتها كيف أنّه لطالما وقع تداول وانتهاك النساء والأرض على حدٍ سواء.
هذه الاستمرارية مهمّة: ففي عهد واريس شاه، كانت مثل هذه الاستعارات تُعبّر عن طريقة عمل السلطة الأبوية والإقطاعية، أمّا اليوم، فإنّ ديناميات مماثلة تتكشّف في أشكال جديدة مع تحويل الأراضي الزراعية إلى عقارات دون موافقة من يزرعونها. تُذكّرنا هذه القصّة بأنّ التنمية دون رضا الناس هي دائماً انتهاك، بغضّ النظر عن الطريقة التي يتمّ تقديمها بها. وبالمِثل، فإنّ قرار البطل رانجها بأن يصبح صوفيًا متجوّلًا، بعد أن حرمه إخوته من حصته الشرعية من الأرض، يردّد صدى محنة الفلاحين المهاجرين المعاصرين الذين يغادرون ديارهم بحثًا عن وسيلة للبقاء على قيد الحياة في مواجهة الصعوبات التي يشهدها قطاع الزراعة.
تشكّلت الدولة الحديثة التي تحكم البنجاب اليوم على أساس الإرث الاستعماري لتصنيف الأراضي ومستوطنات القنوات المائية — وهي مستوطنات بناها البريطانيون في البنجاب بالقرب من قنوات الريّ التي حوّلت الأراضي القاحلة إلى أراضٍ زراعية تُستغَلّ لتحقيق الدخل. وتقدّم الدولة الحديثة التي تحكم البنجاب اليوم رؤية مختلفة للمقاطعة عن تلك التي صوّرتها رواية هير: رؤية خالية من النسيج الثقافي الغنيّ في الماضي. تتخيل هذه الرؤية الأرض من خلال لغة التنمية والأمن. يقع الآن استبدال الذاكرة الثقافية العميقة المتأصّلة في تُربتها، والتي عبّر عنها بثراء شعراء مثل واريس شاه، برؤى تنموية تكنوقراطية وغير عادلة. لقد تحوّلت الأرض إلى أصلٍ قابل للقياس الكمّي ولم تعد موطنًا للمجتمعات العديدة التي أعطتها الحياة والمعنى من خلال عملها وثقافتها. وهذا يمثّل انفصالًا أخلاقيًا ومعرفيًا عن الماضي بسبب منطق التنمية الاستعماري وما بعد الاستعماري والاستعماري الجديد، كما تتصوّره مشاريع مثل مبادرة باكستان الخضراء.
بالإضافة إلى الأهداف المُعلَنة، يجب فهم مبادرة باكستان الخضراء على أنّها بُنية مؤسّسية أوسع نطاقًا تعمل الحكومة الباكستانية على تطويرها، بالتعاون الوثيق مع القيادة العسكرية، من أجل تعزيز السيطرة على الأراضي والاستثمارات الزراعية في البلاد. وتشمل هذه البنية إنشاء نظام إدارة معلومات الأراضي، ومبادرة الشركات الخضراء الخاصة المحدودة، والمجلس الخاص لتسهيل الاستثمار، إلى جانب إنشاء ستّ قنوات جديدة في البنجاب، والتي تعمل جميعها مجتمعة على مركزة صنع القرار حول استخدام الأراضي وتوزيع المياه والإدارة الزراعية تحت إشراف الجيش.
من المهمّ ملاحظة أنّ الأراضي المُصَنَّفة على أنّها مملوكة للدولة هي في الواقع أراضٍ يفلحها مزارعون مستأجرون بموجب نظام الإيجار الذي أدخلته السلطات الاستعمارية البريطانية منذ أكثر من قرن. ومع ذلك، ما زالت حقوق ملكية هؤلاء المزارعين إمّا غير معترَف بها أو تتعرض في كثير من الأحيان للطعن من قِبل الدولة. وبالمثل، العديد من المناطق المصنَّفة على أنها غير مزروعة هي في الواقع مناطق يصل إليها الرعاة والمجتمعات البدوية بشكل موسمي للرعي وكسب الرزق.
لتسهيل توسيع مبادرة باكستان الخضراء، أنشأت الحكومة في يوليو 2023 آليتين رئيسيتين:
1 - نظام إدارة معلومات الأراضي
2 - شركة "المبادرة الخضراء" (GCI)
هي شركة أنشأها الجيش الباكستاني في إطار مبادرة باكستان الخضراء، لإدارة وتأجير الأراضي الصالحة للزراعة التي جرى نقلها إلى سيطرة الجيش من خلال اتفاقيات مشتركة مع حكومات المقاطعات. بينما تظلّ الملكية القانونية للأراضي في يد المقاطعات، تعمل الشركة كوسيط، إذ تؤجّر هذه الأراضي لشركات ومستثمرين أجانب لفترات تصل إلى 30 عامًا لتسهيل مشاريع الأعمال الزراعية واسعة النطاق.
في حين أنّ 52,000 فدان مستأجرة في السند و45,000 فدان مستأجرة في البنجاب قد تبدوان مساحتين متواضعتين، إلّا أنّ هذه الخطوات الأولية لا تمثّل سوى المرحلة الأولى من خطّة أكبر بكثير لوضع 4.8 مليون فدان من ما يُسمّى بأراضي الدولة والأراضي غير المزروعة في السند والبنجاب تحت ترتيبات إيجار مماثلة. والأهمّ من ذلك، أنّ هذا التطور يمثّل تغييرًا جذريًا في كيفيّة إدارة الأراضي: فالمزارعون المستأجرون الذين سكنوا وحرثوا "أراضي الدولة" منذ الحقبة الاستعمارية سيفقدون حقهم في مِلكيّة أراضيهم؛ وسيُعاد تصنيف الأراضي غير المزروعة، التي كانت في السابق متاحة للمجتمعات الرعوية والريفية بموجب الاستخدام العُرفي، وستُؤجَّر لمشاريع زراعية كبيرة تابعة لشركات. تعكس هذه المبادرة أيضًا الدور المتزايد للجيش في إدارة الاقتصاد السياسي الزراعي، مع التحوّل نحو نموذج يستخدم لغة الاستدامة العالمية بينما يعيد إنتاج البُنى القائمة مُسبقًا للاقصاء والحرمان.
Illustration by Fourate Chahal El Rekaby
دخول الاستثمار الخليجي
Illustration by Fourate Chahal El Rekaby
هيدرولوجيا التملّك: مشروع القنوات الستّ
في الواقع، لا تتعلّق شكاوى السِنديّين بشأن المياه بنُدرتها، بل بالاستيلاء التاريخي عليها الذي استمرت فيه دولة ما بعد الاستعمار.
يُعيد مشروع القنوات الستّ، الذي يجري تنفيذه تحت مظلة مبادرة باكستان الخضراء، إنتاجَ منطق مستوطنات القنوات بشكل أساسي، ولكنّه يغلّفه بلغة التنمية الخضراء. خلال الحقبة الاستعمارية، صُمّمت مستوطنات القنوات لتوسيع زراعة المحاصيل النقدية وتحقيق أقصى عائد من الأراضي للإدارة الاستعمارية. وبالمثل، من خلال تحويل المياه إلى مناطق ستستضيف مشاريعا زراعية ضخمة مدعومة برأس مال أجنبي ومحلّي، يحاول مشروع القنوات الست مواءمة البنية التحتية للمياه مع مصالح الشركات المحلية والأجنبية، فيما يحمّل التكاليف البيئيّة للمجتمعات المحلّية في السند.
ولعلّ أكثر ما يثير الدهشة في مشروع القنوات الستّ هو محاولة الدولة تحويل صحراء تشولستان القاحلة إلى أراضٍ صالحة للزراعة من خلال بناء قنوات جديدة، حتى لو كان ذلك على حساب تحويل مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الخصبة في أماكن أخرى إلى أراضٍ قاحلة. فيما تتمثّل المقاربة الأكثر عقلانية في أن يُوضَع حدٌّ للتحويل المستمرّ للأراضي الزراعية إلى مشاريع سكنية عوض توسيع الزراعة إلى مناطق هشّة بيئيًا.
Illustration by Fourate Chahal El Rekaby
المجلس الخاصّ بتسهيل الاستثمار
لم يرتح الجيش لهذا التعديل لأنّه أضعف السيطرة المركزية من خلال نقل السلطة الإدارية إلى الوحدات الفدراليّة. كما أنه يقلّل من نفوذ المركز على توزيع الموارد بمنحه المقاطعات استقلالية مالية أكبر، ممّا يقلّص من الحيز المالي للحكومة الاتحادية. ويقول المنتقدون إنّ المجلس هو محاولة لإعادة مركزية السلطة الدستورية من الباب الخلفي، وإنّه يقوّض روح التعديل الثامن عشر، لأنّ الهيئة تفتقر إلى الشرعية الدستورية وتتجنب العمليّة الديمقراطية. ولا تناقش قراراتها في البرلمان، ولا تخضع لرقابة المقاطعات. ويسعى المجلس إلى مركزة قرارات الاستثمار المتعلّقة بالزراعة والطاقة والتصنيع وحتى السياحة، وهي مجالات تقع دستوريًا ضمن اختصاص المقاطعات بموجب التعديل الثامن عشر.
على عكس الانقلابات العسكرية الصريحة في الماضي، فإنّ تجاوزات الجيش اليوم مُقنَّعة بلغة الاستثمار والإصلاح. لكن الهدف الأساسي لا يزال كما هو: توسيع نطاق نفوذ الجيش المؤسّسي. فقد أدّى التحديث الذي قاده الجنرال أيوب في الستينيات إلى إثراء الطبقة الأرستقراطية المالكة للأراضي، في حين استفاد أباطرة العقارات من حملة الخصخصة التي قادها الجنرال مُشرَّف في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. في كلّ مرّة، كانت الإصلاحات تبدأ بالاستشهاد بخطاب التنمية والمصلحة الوطنية. ويستخدم مختس نفس الأسلوب: في مواجهة أزمة اقتصادية من صنعها، تبرر النخبة الحاكمة الآن التغييرات الجذرية في الحوكمة بالاستناد إلى ”الكفاءة“ على حساب الشرعية، و”التنمية“ على حساب العدالة. وفي جوهرها، هذه محاولة لإعادة هيكلة الاقتصاد لصالح النخب الراسخة، وليس استجابة للانهيار الاقتصادي.
Illustration by Fourate Chahal El Rekaby
مبادرة الطاقة المتجددة التي أطلقها ’مختس‘
Illustration by Fourate Chahal El Rekaby
المقاومة ضد مبادرة باكستان الخضراء
في مؤتمر صحفي عُقد في لاهور في وقت سابق من هذا العام، اجتمعت مختلف الحركات والأحزاب السياسية والجمعيات الزراعية التقدمية، بما في ذلك (أمب)، وتعهّدت بمقاومة الزراعة التجارية ومبادرة باكستان الخضراء على وجه التحديد. عُقد المؤتمر الصحفي بعد أن حاولت الشرطة طرد المستأجِرين من مزرعة في هاسيلبور، في منطقة باهاوالبور في البنجاب. منذ ذلك الحين، تطورت معارضة الزراعة التجارية من نزاعات إيجار محلية إلى حركة زراعية وطنية تحظى بدعم الأحزاب السياسية والمجتمع المدني.
تثير التطورات الجارية المتعلقة بالزراعة التجارية ومبادرة باكستان الخضراء ومشروع القنوات الستة أسئلة حاسمة حول التحوّل من مجمّع صناعي عسكري إلى مجمّع زراعي صناعي عسكري آخذ في الظهور في باكستان. يثير السعي إلى تراكم رأس المال، من خلال برامج الزراعة الخضراء، الحاجة إلى التفكير بعناية في كيفية استخدام السلطات الحكومية لمصطلح الاستدامة من أجل تجريد المجتمعات المحلية من ممتلكاتها، وفي بعض الحالات، التسبب في مزيد من الأضرار البيئية. كما يسلّط الضوء على تزايد مشاركة الجهات الفاعلة عبر القُطريّة في هذه المبادرات. وأخيرًا، يدعو ما سبق إلى إيلاء مزيدٍ من الاهتمام للطريقة التي أشرفت بها باكستان، على الرغم من أنها ليست من المساهمين الرئيسّيين في تغير المناخ العالمي، على ”نظام تنموي“ غالبًا ما أدّى إلى مفاقمة الآثار المحلية والإقليمية لتغيّر المناخ.